الاثنين، 27 فبراير، 2012

المخترع الأعظم في القرن العشرين



في الليلة التي تسبق 25 فبراير كنت مصابا بأرقي العادي حين أستشعر المسؤولية التي تقع على كاهلي صباح اليوم التالي ـ لاشك أن بعضكم يحدث معه نفس الشيء ـ مما جعلني أبحث في البرامج الوثائقية التي صرت مولعا بتحميلها ، طبعا لم يكن ليستوقفني من بينها تلك التي تتعلق بسيرة حياة الديناصورات التي قضت ـ حسب مايخبرنا به خبراؤها ـ قبل وجود الإنسان ، فتجاوزت ذالك الخيار ، سلسلة تاريخ روما ـ لا ، ليس هذه الليلة ـ ، أستوقفتني مجموعة من الأفلام الوثائقية والسينمائية بتصرف يوفرها موقع أكاديمية التغيير الرائدة ، وبشكل خاص فيلمان "القلعة الأخيرة" والذي يتحدث عن الجنرال المسجون في السجن العسكري والذي يقود حربا بأسلحة بدائية ليهزم أسلحة متطورة كالآباتشي والقناصة ،
والثاني وهو موضوعي هنا هو عن حياة شخص لم أعرف عنه الكثير إلا في الفترة الأخيرة أي بعد إلتحاقي بحركة 25 فبراير منذ إنشائها في أغسطس 2011 ، شخص سمعت عنه الكثير لكنه كان دائما مادة تسلية أستمتع بقصته كما أستمتع بأي قصة أخرى ، لكن الآونة الأخيرة جعلتني أركز معه ، مع طرقه وحيثيات فكره ، إنه الماهنداس غاندي الذي دعي فيما بعد "بالمهاتما" أو الروح العظيمة .

غاندي هو أحد المخترعين الذين لم يلاحظ الكثيرون إختراعه العبقري الذي ولد قبل ميلاد القنبلة النووية بسنوات قليلة ، ورغم ان القنبلة النووية وهي أكثر سلاح عنيف قوة ورعبا إلا أن سلاح غاندي اللاعنيف كان أكثر أثرا على خريطة العالم ، قتلت القنبلة النووية نصف مليون شخص تقريبا وأنهت الحرب العالمية الثانية ، لكن سلاح غاندي خلص مليارات البشر من الظلم والديكتاتورية والميز العنصري ، إنه سلاح ليس من السهل على أي شخص إختراعه وليس من السهل تطبيقه لكنه مضمون النتائج للذين يطبقونه بشكل صحيح ، ولكي نفهم الرجل علينا أن نفهم سلاحه ، إنه حرب للاعنف ـ معم ، لقد قرأتها بشكل صحيح ، أعد قرائتها من جديد ـ إنه سلاح غاندي "حرب للاعنف" .

لم أكن في أول الأمر أفهم غاندي كالكثيرين ، حين ظننت أن ماقام به أقرب إلى طقوس دينية هندية ، لكن النظرة سرعان ماتغيرت حين بحثت أكثر في شخصيته وكيف أستطاع تنفيذ فكرته أول مرة في جنوب إفريقيا ، لقد بدأ بنقطة غاية في البساطة والقرب ، وهي أن هناك قانونا ظالما يمارس على الهنود في جنوب إفريقيا رغم أنهم مواطنون في المملكة البريطانية التي تصل حينها أرجاءا كبيرة من المعمورة ، كانت كل الخيارات حينها إثنان :

ـ إما ردة الفعل العنيفة على الظلم وهو الذي كان يزيد دائما من العنف ويعامل اللاجئون إليه معاملة قاسية في المحاكم دون أن يتعاطف معهم أحد أو يتفهم احد أسبابهم في ردة الفعل العنيف .

أو

ـ الإستسلام التام لتلك القوانين مما يجعلها سارية على الجميع ،

أما هو فقد أخترع أمرا ثالثا وهو :

ـ معارضة تلك القوانين ومخالفتها دائما دون إحداث عنف ، وهو شيء رأى فيه غاندي مقاومة للظلم دون أن تكون مربكة للناس العاديين ولاتحتاج لنخبة أقوياء مدربة ، ويمكن للجميع ان يكون جنديا فيها والأغرب أن العدو سيكون حائرا بين محاربتك وعدمها ، لكن غاندي كان مقتنعا أن حرب للاعنف تحتاج أن يحاربك عدوك ، بل كان مقتنعا أنه سيحارب لأنه يدافع عن أشياء واهية وسهلة السقوط تحتاج فقط أن يقاوم الجميع ، ولايمكن للجميع أن يقاوم بعنف ، لذالك كان يكرر كلمته الشهيرة "لاتكرهوا البريطانيين ، لأنهم لم يأخذوا الهند منكم ، أنتم من أعطاهم الهند" .

بعد أن بدأت فكرته تنتشر في جنوب إفريقيا قرر البريطانيون إعادته إلى الهند وذهل من إستجابة الناس مع نضاله اللاعنيف في جنوب إفريقيا ومن أسلوبه وفوجئ بالآلاف ينتظرونه ، بدأ بالتنسيق مع القيادات الهندية أولا ثم أعتزل الجميع لأنه كان بحاجة لأن يطور في أساليبه ويضع إستراتيجية يبني عليها مقاومته التي أزالت العرش البريطاني نهائيا عن الهند ،

أستحضر القوانين الظالمة التي تكبل الهنود في وطنهم وأطلق ماسماه بعدم التعاون وما صار يسمى بعد ذالك بالعصيان المدني ، ثم بدأ خطته في إختراق كل القوانين الظالمة وبدأت بخرق قانون الملح حيث قام بمسيرة ألتحق بها الآلاف إلى الشاطئ ليصنع الملح المحرم على الهنود والمحتكر من قبل شرائك بريطانية ، تلك المسيرة التي كان طول مسافتها 200 ميل على الأقدام والتي سخر منها البريطانيون كانت بداية نهاية السيطرة البريطانية على الهند إلى الأبد ، كان غاندي يعبر عن نفسه أنه كأي مقاتل في حرب مستعد لأن يموت من أجل قضيته وكذالك كل مشارك في حرب للاعنف لأنها ليست نزهة كما يبدو للبعض من من لم يفهم أساليب الرجل ،
كان من بين السخرية التي أطلقها البريطانيون حينها على مسيرته أن " حكم العرش البريطاني للهند لايمكن أن يسقطه غلي الماء الماء المالح " ، الغريب أنها نكتة مضحكة إلى أبعد الحدود وكنت لأكون أول مصدق لها لو أني لم أولد بعد إسقاط العرش البريطاني عن الهند بسبب غلي الماء المالح على الشواطئ ، وهنا تحولت النكتة إلى سخرية عارمة لكن الذين ضحكوا منها أستغربوا أن غاندي قد أغضب الحكومة البريطانية كثيرا بسبب غلي الماء ، إذا فالعرش البريطاني في الهند في خطر ،،
في الخطوة الثانية طالب جميع الهنود عدم التعامل مع الحكومة البريطانية مبررا قوله ، أن 100 ألف جندي بريطاني لايمكنهم السيطرة على 300 مليون هندي إذا لم يتعاملوا معهم وستتحول الهند من بلد يمكن قهره إلى بلد مرهق ومتعب للخزينة البريطيانية ، وطبعا حصل ذالك فقد أغلقت عشرات الشرائك ومئات المحال وأحس البريطانيون بعد 12 سنة من مقاومة غاندي أن الحياة لم تعد تطاق في الهند ، رغم أن المقاومة المسلحة سبقت غاندي بعقود وأستمرت في زمنه لكنها لم تحقق ما حقق هو في سنوات قليلة ولم تحصل على الزخم الذي حصل هو عليه بسلاحه المعجز هذا ،

أما بعد موت غاندي فقد عبر سلاحه القارات ليقضي على الظلم بأقل الخسائر وبأروع الصور وأنقاها ، فقط أسقط الممارسات العنصرية على السود في الولايات المتحدة بسبب إستعمال ذالك السلاح من قبل أشخاص مثل مارتين لوثر كينغ ، الذي قلد غاندي في مسيرة الملح ، وقام بالمشاركة في مسيرة واشنطن للحقوق المدنية سنة 63 لتحصل النتيجة منها في العام الموالي حيث وقع عام 64 على وثيقة الحقوق المدنية وعلى مر القرن العشرين طور النشطاء المطالبين بالعدالة وإزالة الظلم في أوطانهم إستراتيجية غاندي ليتضح أنها ليست سخيفة وضربا من الخيال كما كانت توصف مع بداية نشأتها ، لقد أثبتت إستيراتيجية غاندي أنها أحسن من كل القنابل والأسلحة الموجودة في العالم في إسقاط الدكتاتوريات ، فبعد أن يئست قوات الناتو والولايات المتحدة الأمريكية من إسقاط الديكتاتور "ميلوزوفيش" بكل القوة الممكنة لهما أسقطته حفنة من الشباب أسست حركة أوتبور وانتهجت أساليب حرب للاعنف ليسقط كالثمرة المتعفنة تحت أقدام الثوار السلميين وأسقطت قوة الشعب النظام الديكتاتوري بقوة اللاعنف في الفيلبين ، وكذالك اتشيلي وإيران وجورجيا ومصر وتونس واليمن وسوريا أوشك النظام على السقوط بالقوة السلمية ، الكثير من البلدان تغير واقعها وأسقطت أصنامها والفضل في ذالك يعود إلى ذالك الإختراع العظيم والذي ستمر الأجيال دون أن تعي أنه إختراع أعظم من نظرية النسبية لآنيشتاين ومن إختراع آديسون "الكهرباء" .