السبت، 13 أغسطس 2016

إلى أين يتجه الجميع ؟


لست مراقبا عن قرب تفصيلي كل ما يحصل في العالم العربي من تطورات ثورية لكني -تقريبا- أحظى برؤية للصورة الخارجية المجملة بوضوح يمكنني من التمييز، أنها ليست في مجملها جيدة ومن التسرع الحكم عليها بالسيئة رغم ما يبدو من قتامة الصورة ، و أفترض أو أكاد أجزم أن هناك جملة من "الإِنَات" (جمع إِنْ ..) هي التي تحدد مسار ومستقبل العالم العربي .. وسأورد بعض "الإنات" التي أظنها ترجح مستقبلا جيدا للثورة العربية.
·       إن كانت الثورات العربية التي قامت ورفعت شعارا يمكن اختصاره في الشعار المصري الشهير (عيش ، حرية ، عدالة اجتماعية) وهو شعار مفارق لأي منطق تحزبي أو طائفي أو عرقي ، إن كانت هذه الثورات التي قامت أو التي في طريق القيام ستحتفظ بهذا الشعار وتقربه وتقاربه ستضمن سقفا مرجعيا واضحا يجعل الإنسان بشكل عام معنيا بقضية هذه الثورة ... إنّ أهمية  السقف المرجعي البسيط الغير معادي لطائفة أو عرق أو قبيلة هو التقليل من احتمال حصول نزاع بيني على أساس طائفي أو عرقي...
·       إن كانت الثورات العربية التي بدأت باعتماد وسيلة السلمية قادرة على العودة إلى تلك الوسيلة بطريقة أو بأخرى أو التخفيف من نفوذ المجموعات المسلحة في حال ما كان العنف الثوري لازما (المثال السوري) ... :
من المخيف بشكل مريع كون سوريا تحولت إلى بنك ضخم للمجموعات المسلحة التي تنادت من كل مكان لفرض اجنداتها ولعل أغلبها لا يعي تماما منطقية ما يريد للذات وللآخر ، وأكاد أجزم – وهو ما تجاوزته الأحداث فيما بعد – أن ثورة سوريا لو استمرت على نهجها السلمية لما مات منها ما مات حتى اليوم ، وكي لا أكون موغلا في التبسيط – دون أن أدعي كبير قدرة تحليلية - فلا شك عندي أن هناك عوامل عدة لكل هذا الشحن المسلح والعنيف في سوريا وليس فقط تحول الثورة السورية إلى المسار المسلح والعنيف .. لعل من بين تلك العوامل تفكك المعارضة والغياب الكبير للوعي السياسي في المجتمعات العربية عموما وفي المجتمع السوري الذي – عن طريق ثورته - يحاول العودة من نفق الخمسين عاما من الاستبداد ، ولكن تحول الثورة إلى ثورة مسلحة فتح الباب كاملا على مصراعيه لكل هذه التشكيلات المسلحة المتضاربة في التوجه والهدف .
·       إن وجدت شخصيات فكرية (مفكرين وفلاسفة) واعية بضرورة لعب أدوار المثقف العضوي وقادرة على مواكبة وفهم وإفهام التحولات الكبرى والخطيرة التي تشهدها المجتمعات والمنطقة العربية ...
·       إن انطلقت الثورات من الأسس والقيم الانسانية في تبيين أهمية وأولوية الانسان حيث هو في تصوراتها بغض النظر عن دينه أو عرقه أو طائفته ، وأن القطيعة التي سترسمها هي مع الاستبداد وحكم الطوائف والعساكر (المماليك)
·       إن ميزت هذه الثورات بين حلفائها الحقيقيين (حلفاء مبادئها) والحلفاء المرحليين والحلفاء المستحيلين . لا يمكن الاقتناع بجدية داعمين مستبدين لثورات ضد الاستبداد إلا إن كان لهؤلاء الداعين دوافع أخرى ستكون بعيدة عن مساعدة شعوب في نيل حريتها الأمر الذي سيكون مشجعا لشعوب هذه الاستبداديات في المطالبة بالمطالب نفسها ، غالبا ما تتدخل هذه الاستبداديات لحرف مسار الثورة إلى مسارات لها علاقة بالحالة الدينية أو العرقية أو الطائفية (المثال السوري) ، والأمر ينطبق على العالم ودوافعه وفلسفاته .
أكاد أجزم أن الوعي السياسي ووضوح الرؤية ضروريان لأي ثورة قد تحظى "بالإنات" السابقة وأجزم أن للثورة أساليب ليست في السياسة اليومية المعاشة، فتركيز البارغماتية السياسية في المقادير الثورية يكاد يكون صفرا وذلك عائد لسبب بسيط أن للثورة – دائما - أعداء دائمون خصوصا ألئك الذين يتساقطون لالتقاط الثمرات التي تتساقط من النظام وهو برأيي بداية صناعة مساحة لما يسمى بالثورة المضادة .

أشعر بالخوف حين أفكر في صعوبة أن تكون هناك نخب فكرية عربية تفهم فعلا – بالتفصيل – ما يحصل من تحولات كبرى وقادرة على مواكبتها وفي ظل ذلك الخوف أفتح دائما ذلك السؤال ، إلى أين يتجه الجميع ؟!....

الأربعاء، 3 أغسطس 2016

الشيخ باي مسجون في زنزانة تحت المراقبة الدائمة.




كان الشيخ باي في مزاج جيد حين استقبلني وبيننا شباك حديد ضيق لا يمكنه من خلاله إخراج أصابع يده حين زرته في سجن آلاك سيء الصيت ككل سجون النظام العسكري ، تبادلنا بعض الأحاديث وسألني أكثر من مرة عن الشباب الذين اعتقلوا على خلفية الاحتجاج على الحكم الظالم الذي صدر بحقه ، ورغم مزاجه الجيد الذي تمنيت أن يكون انعكاس لحالته التي يعيشها في السجن تأكد لي العكس تماما مع مزيد من الحديث ، الذي رغم ما أخبرني به من معاملة سيئة ظل في مزاجه الجيد كأنه غير مبال بما يفعلون فيه .. فيما يلي سأحاول نقل بعض ما يعانيه الشيخ باي في زنزانته حتى يوم زيارتي له مما نقله لي (الوقت كان ضيقا) :
تم نقل الشيخ باي في وقت متأخر من مساء يوم الحكم (14 يوليو 2016) الساعة الحادية عشر تقريبا دون علم من هيئة دفاعه ولا عائلته إلى سجن ألاك ووصله ساعات الفجر الأولى من اليوم الموالي.
·      أدخل الشيخ باي إلى زنزانة انفرادية من يوم  وصوله وقد تم إعداد الزنزانة لتكون مزعجة بالدرجة الكافية فهي إضافة لكونها انفرادية وضعت فيها كاميرا مراقبة تشعره بالتضايق الذي يؤديه الشعور بانعدام الخصوصية.
·      يحظر على الشيخ باي الاختلاط مع أي من السجناء الآخرين حيث يبقى تحت رقابة حرسي ملازم طوال وقت وجوده خارج الزنزانة ، فهو إذا لا يجد أي فرصة للتواصل مع البشر إلا في حالة الزيارات والتي لا تزيد عن نصف ساعة.

·      أثناء دخولي على الشيخ باي كنت أحمل معي كتبا وبعض الدراسات والمقالات المطبوعة ، كانت الدراسات عن النشاط الحقوقي بأساليب لا عنيفة وهو ربما (كما يبدو ) سبب كافي لأن تكون كتابات "محرضة" حسب لفظ الضابط الحرسي ، تم رفض الدراسات من الدخول إلى الشيخ باي ..

الاثنين، 4 أبريل 2016

العنصرية ماتلات خالكة، وأمربيه راجل معلوم



حين نتحدث عن شيخ مسن قضى 60 عاما في خدمة وطنه يمنع من جواز سفر (مهما كانت التفاصيل!!) فنحن أمام عناوين عريضة :
أولهما العنصرية :
إن الكثير من المواطنين يرفضون أن تكون في موريتانيا عنصرية رسمية من أي نوع فهم يحددون فهمهم للعنصرية انطلاقا مما يسمعون عن العنصرية الأمريكية القديمة أو عن عنصرية الآبارتايد في جنوب افريقا ، هنا يختفي أحدهم وراء تلك الشعارات التي تؤكد أن موريتانيا لا تحكم بالعنصرية لأن الجميع يركبون نفس الباصات (الباصات الي ماتلات خالكة) ، أو لأن الجميع يدرسون في نفس المدارس (رغم أن المدارس أيضا ماتلات خالكة) .
والذين يحتكمون لهذه الحجج لا يكونون –عادة- مستعدين للدفاع عنها حتى النهاية وإنما اعتمدوها انطلاقا من فهم آخر شبيه بضعف الأدلة نفسها، هذا الفهم هو أن أي حديث عن العنصرية الرسمية أو أي حديث عن حقوق الأقليات يعني جر البلاد إلى صراع بيني أو داخلي أو فتنة.
حسب فهمي أن الدفاع عن عنصرية النظام أو أي نوع من أنواع التمييز في موريتانيا ومحاولة التكتم عليها وإلحاق اثارتها بالفتنة هو الفتنة عينها.
إن المظلوم قد لا يصنف الناس أعداء أو ظالمين حتى لو لم يقفوا معه ويناصروه ولكنه لن يتوانى في اعتبار كل الذين ينكرون المظلمة الواقعة عليه كأعداء، فإن كان بعض المواطنين يصيغون حججا غير منطقية لينكروا العنصرية أو التمييز اللذين يطبعان النظام العسكري الموريتاني، فإن من تمارس عليهم تلك العنصرية أو ذلك التمييز أكثر صياغة لحجج أخرى أقل منطقية وأكثر عدائية لأنهم هم أنفسهم من يعانون مرارة ذلك الظلم.... وإن أكثر مخاوفي قوة هو أن يحرك مجتمعنا تلك الحجج الغير منطقية مهما كان نوعها.
  
* إن العنصرية والتمييز بكل أنواعهما وأصناف الظلم الأخرى (التي وزعت بعدالة على كل المواطنين) كل ذلك موجود في الادارة وكل مؤسسات الدولة (المحكومة بالنظام العسكري) وموجود أيضا في الحياة العامة.
* إن الطريق إلى البلد العادل الخالي من العنصرية والإقصاء المغمور بالألفة والإخاء والرفاهية هي الطريق الأفضل لنا جميعا وحتما ستمر من الاعتراف بما يحصل اليوم من أنواع الظلم سواء التي يستوي فيها كل المواطنين (الفساد والمحسوبية) أو التي يختص بها بعض المواطنين دون غيرهم (العنصرية أو التمييز) وأن يكون دون غضاضة، أن يكون اعترافا مدفوعا بالحس الانساني والوطني منطلقه رفض كل أنواع الظلم والحيف والتمييز والعنصرية.
إن أحد أهم عوامل اللحمة الاجتماعية هو الالتفاف مع المظلوم في مظلوميته مهما كان نوعه أو عرقه أو أصله !

***** 
أما الموضوع الثاني فهو إدارة المكوس أو اقطاعية "مربيه" : من الغريب أن كل الشعب الموريتاني صار قابلا أن يظل تحت طائلة الإتاوات التي يفرضها عليهم مربيه وإدارته عن كل وثيقة رسمية دون أي فاتورة تفيد أن هذه الأموال تذهب إلى خزينة الدولة إلا جواز السفر،  مع الكثير من الاحتقار وسوء الخدمات في الادارة وسوء أخلاق بعض الموظفين من الذين قابلتهم أو سمعت انطباع المواطنين عنهم، والقوانين الخاصة بهذه الادارة والتي تحدد إن كنت موريتانيا أو غير موريتاني هي فقط مزاج العاملين في إدارة الأستاذ مربيه، ومن حيث نظن أن إدارة الأوراق الثبوتية صارت أكثر تنظيما هي الآن أكثر فوضوية لما فيها من أشخاص غير مؤهلين ولهشاشة المنظومة القانونية التي تديرها والتي يبدو المزاج أهم مواد فيها ، إضافة لذلك ـ وعلى صعيد الأمن القومي ـ خطورة وضع معلومات وروابط جميع المواطنين والاحصائيات المتعلقة بهم في يد إدارة في يد شخص وغير مؤهلة هذا طبعا إذا أغفلنا أنها تابعة لمربيه الذي هو بدوره تابع للجنرال وبالتالي فهي في يد طرف من أطراف النزاع وليست في يد جهة مستقلة كما يفترض.



السبت، 19 مارس 2016

قمع وقفة "مرجن خاوي" (توثيق)


نظم نشطاء حركة 25 فبراير وقفة احتجاجية يوم الثلاثاء 15.03.2016 تحت عنوان مرجن خاوي ترميزا إلى الحالة المعيشية الصعبة التي يعيشها المواطن الموريتاني من غلاء أسعار المواد الغذائية ، وقد تعرضت الشرطة للمتظاهرين بشتى أنواع التنكيل ، تعرض الناشط سيدي الطيب ولد المجتبى لإصابة مباشرة على الرقبة تسببت في اغمائه مباشرة، فيما تم اختطافي و3 نشطاء هم  سيدي عبد لله ولد البخاري وجمال حمود ومصطفى إلى مكان مهجور قرب الشاطئ حيث تعرضنا للتعذيب هناك ، تعرضت لإصابتين وتعرض الناشط جمال حمود لكسر في الساعد كما تبين الصورة في الأسفل مباشرة .





سيدي الطيب تم نقله للمستشفى مباشرة بعد تعرضه للضرب على الظهر مما أدى لإغمائه 

 في اليوم الموالي الأربعاء 16.03.2016 تم قمع وقفة نظمتها حملة ماني شاري كزوال الداعية إلى تخفيض أسعار المحروقات التي انخفضت عالميا إلا في موريتانيا. أختطف أربعة نشطاء وتم تعذيبهم ( سيد عبد الله ، سامي ، لارباس ، مصطفى) ، وأصيب سيدي عبد الله إصابة بالغة منعته من الوقوف لوحده نقل بعدها للمستشفى بعد عجزه عن الوقوف .








السبت، 5 مارس 2016

باص نقل للطلاب في جامعة نواكشوط

أحد باصات طلاب جامعة نواكشوط ، والتي يشهد طلابها ازمة قوية في النقل بعد تحويل الجامعة الى خارج نواكشوط في مدينة تعاني مم غياب شبه كامل للنقل العمومي

الأربعاء، 24 فبراير 2016

تجربة فنية اعلامية جديدة



تجربة فنية اعلامية جديدة تحاول نقل الأحداث في موريتانيا عن طريق موسيقى الراب 




الأربعاء، 3 فبراير 2016

قطع غيار(فلم وثائقي)



قطع غيار فلم وثائقي حقوقي يحاول تسليط الضوء على حوادث الشغل في موريتانيا التي يروح ضحيتها المئات فيسرحون من العمل دون أي حقوق هذا إن لم تودي هذه الحوادث بحياتهم 







الأحد، 17 يناير 2016

عام على سجن بيرام وبراهيم


قبل البدء في هذا المقال من المهم عندي تبيين وجهة نظر حول قناعتي الراسخة أن أي حل لقضية الحراطين أو أي قضية وطنية من فقر وهشاشة وجهل وتخلف وقضايا الأقليات وشتى أنواع التهميش والظلم الواقعة في هذا البلد تمر مبدئيا بإيجاد وخلق الإطار القادر والقابل على حلها وهو ما لا يمكن أن يوجد في ظل الدولة الحالية، دولة العسكر والقبيلة. لا مكان لأي حل في ظل هذه الدولة إلا اذا كان انتاج أنماط مشابهة تعمق أصل المشكلة ، لأنها هي أصل المشكلة الكبرى للوطن انطلاقا من المحسوبية والقبلية والجهوية واستغلال الجيش وقوته في النزعات والنزوات الشخصية لكل انقلابي نجح انقلابه، إن نفس النظام الذي نناضل داخله اليوم هو الذي أضفى أبعادا جديدة على مشاكل كانت عالقة وعمقها وراهن عليها في استمراره.
1
تمر الذكرى الأولى للحكم بسجن رئيس حركة إيرا بيرام ولد اعبيد و نائبه ابراهيم بلال لسنتين بعد مشاركتهما في تظاهرة (مرخصة) ضد ما حالات من العبودية العقارية..
منذ لحظة الاعتقال كثرت ردود الأفعال وتمايزت التفسيرات والاعتبارات أمام هذا الحدث الذي ينبئ أولا بالتهديد الكبير الذي مس ساحة الحريات العامة في البلد والتي شهدت تقدما في العقد الأخير نتيجة لنضالات الموريتانيين المريرة والمتراكمة.
من الضروري التأكيد على أن ذلك التقدم في الحرية لم يكن حقيقيا : أي لم يكن مؤسسا على مبادئ ثابتة فوق كل السلطات وملزمة لها، فقد صرح ذات يوم الجنرال عزيز ذات مرة أن "كهولة" المعارضة يستفزونه لكي يعتقلهم لكنه لن يفعل ذلك معطيا لنفسه (البوليسية) حق القيام بتقييد الحريات من عدمه متى شاء وهو ما يؤكد أن ما يوجد من الحرية حتى الآن ليس حرية قيمية معتمدة على بناء مؤسسي في موريتانيا وإنما وقف تنفيذ القرار الجنرالي بحبس الحريات .
إن تباين الآراء والمواقف من الحدث أظهر جانبا مؤسفا من سهولة تخلي بعضنا عن قيم عليا كقيمة الحرية كحق أساسي لكل إنسان، وأوضحت أيضا سهولة انجراف بعضنا إلى ما تمليه عليه عواطفه لأول وهلة وضعف حضور التحري والمنطق و الحق كعوامل أساسية في بناء مواقفنا.
ساهم الكثير من الذين قابلتهم أو قرأت لهم أو اطلعت على ردودهم على صفحات التواصل الاجتماعي في محاكمة روصو الهزلية عن طريق محاكمات ذهنية وعاطفية إن لم أقل عنصرية، ومن المثير للسخرية أن التهم التي قدمها جماهير "المرافعين العاطفيين" كانت مختلفة عن التهم التي قدمتها المحاكمة السياسية ورغم ذلك فقد اتفقوا مع الحكم.
2
لقد حوكم بيرام من قبل أفراد ينتمون لبعض فئات المجتمع بمجموعة من التهم من بينها العنصرية والخطاب التقسيمي والدعوة إلى الحرب الأهلية، ورغم أن عمل بيرام كمناضل حقوقي ضد الاستعباد ومخلفاته وانطلاقا من قسوة ذلك الإرث وتجذره ثقافيا واجتماعيا وارد فيها - جدا- أن يكون أي خطاب ناعم غير مجدي بالمرة في حلحلة ذلك الواقع.
لكن الشخص الذي أذكر أنه لمح إلى الحرب الأهلية واستخدام السلاح لم يكن بيرام، بل هو داود ولد أحمد عيشة الذي يتجول اليوم في سيارته من نوع V8 – حسب آخر مرة رأيته فيها -  ويلقى خطابه رواجا كبيرا بين الفتية المتأدلجين بنعرات وغباءات القبيلة.
إن الذي أعطى لخطاب بيرام وقعا وتأثيرا هو وضوح وجلاء القضية التي يتحدث عنها، فحالات العبودية تكتشف يوميا ونفس المحاكمة الهزلية التي حاكمت بيرام بقوانين ما تحت الطاولة هي ذاتها التي تحاكم المستعبدين الذين يمسكون متلبسين بحالات استعباد واضحة ويحاكمون بنفس قوانين ما تحت الطاولة (إطلاق سراحهم غالبا) ، كما أن الوضع الكارثي الذي تعيشه شريحة الحراطين من فقر وتهميش وتغييب في شتى المجالات .. نعم الشعب الموريتاني بشكل عام يعيش تحت الفقر والتهميش والتغييب أيضا، لكن هذا يجعل لا يجعل إشكالية الحراطين غير واردة كحالة خاصة، فهم الشريحة التي كانت مهمشة تاريخيا وزادها تهميش وتغييب بقية أفراد الشعب بشكل كامل تهميشا أكبر.
من البديهي أن الأرقاء السابقين الذين تم تحريرهم كان استغلال عرقهم وسخرتهم في تراكم ثروة الاستعباديين غير معوض وبالتالي فقد تم تسريحهم من العبودية بلا رصيد ودون أي تعويض .. وهو ما يجعل الفقر والتهميش مسألة حتمية وبديهية لا يحتاج فهمها وقبولها أي قدرات تحليلية .
إن معيار لغة الكراهية التي اقترحها البعض كتهمة في تلك المحاكمة العاطفية لبيرام، وهي عبارة عن مفهوم غاية في النسبية خصوصا أنها تهمة استخدمت ضد كل من طالب بحق لم تكن المنظومة الاجتماعية الطاغية معترفة به، إن أي لغة مطالبة بالحقوق بالنسبة للمجتمعات "المحافظة" هي لغة كراهية فيما تمر لغة الكراهية الحقيقية بشكل مقبول تماما (مثال يحظيه ولد داهي) .

إن قضية لحراطين ستظل قضية جوهرية وساخنة في الساحة لأنها قضية حقيقية تمتد بجذورها وواقعها في المجتمع تاريخيا، وسيبقى للتاريخ والزمن أن تقييد الحريات وضيق الباع في تقبل بعضنا لبعض لن يبقى منه للزمن والذكريات إلا طبيعته المخجلة المسيئة لاحترام المجتمع لذاته .