الجمعة، 30 مارس، 2012

قصة بين مدينتين


في موريتانيا :

أعتاد مجتمعنا في مدينة أنواكشوط يوميا تناول الخبز ـ بالنسبة لأشباه المحظوظين ـ صباحا ثم البدء في حياة الزحمة ، شرطة تجاهد ساعات الضحى الأولى لتنظم قطعان السيارات التي لا تتقن أكثر من مخالفات المرور ، تجار يسارعون ساعات الصباح قبل وفاتها ، تلامذة وطلاب يسابقون افكارهم حول اليوم الجديد ، معلمون عمال وشحاتون يملئون الشوارع ، عمال إدارات لم يجدوا الوقت بعد ليسألوا أنفسهم "هل يحبون هذا العمل " أطباء يتثاءبون بعد ليلة ليلاء ومرضى ينتظرون الفرج من المولى .
 غالبا ما تضع الزحمة رحاها بعد لئي ساعات الهاجرة القليلة لتبدأ بعد الزوال بشكل أخف ، يذهب المتدينون إلى محاضرات المساء ، واللاعبون إلا ملاعب المساء ، والثوار إلى حيث يجتمعون وينسقون أو يختلفون أحيانا في أفكارهم العظيمة ، هناك فسحة للعشاق أيضا في ساحات قليلة أو من أختار الشاطئ في شبه الصيف والشتاء هذا ، تجار ينتظرون الغروب وحراس ليليون يخشون من الغروب ، بائعات السمك ينتظرون ليلة جديدة وخوفا من غد مجهول ، لكن الجميع سيضع ناظره على مخدة وينسى آلام اليوم وأناته ويذهب في نوم عميق

في سوريا



في ليلة هادئة تترقب العيون والأسماع خشية ما يعكر هدوءها أم وأطفال تيتموا بعد يوم سرمدي من الدم والثارات و حاكم حكم بتسعة عشر جهازا أمنيا كأنه سقر يتقلب في غيه كيف شاء له العالم وأمسك عن ردعه أشباه الشرفاء ، يضحك كالحرباء فترى أرواح الشهداء تضفي ظلمة صفراء مرعبة على وجهه ، يزبد كآكل المرار لأن أطفال درعا ودير الزور لم ترتعد من الرعب فرائصهم ، لاشك انها حقيقة مخيفة فلا شيء يخيف الطاغية أكثر من أن لا يخافه الناس .
في ليلة هادئة تترقب العيون والأسماع خشية ما يعكر هدوءها المشوب بترقب مخيف ، كل شيء حصل البارحة سيعاد الليلة ، لكن كلمة "أكشن" لم تنطلق بعد فقط ، مع منتصف الليل تبدأ الحمم وكل ما أنجز العقل العبقري للإنسان من مبيدات للبشر في العمل على قدم وساق ، أولاد الحارة لم يعودوا يلعبون ، لا مدارس والصلاة في الجوامع مخيفة شيئا ما فالمآذن تمطر كل حين بالمدفعية لتسقط على رؤوس المصلين ، لست في حمص الآن لكني على يقين أن الذهاب للحمام ـ فقط ـ صار مخيفا لأن الموت شيء جميل في حمص لكن ليس في الحمام .
صباح مألوف بعطن القنابل وغبار البارود ومجاري الدماء التي أفرزتها ليلة ككل الليالي ، صباح يبعث على الاستغفار لقتلى اليوم الذي قد يكون أي مقيم في حمص  ضحيته ، يدعوا الجميع صباحا لشهداء البارحة بالرحمة وشهداء الأمس و اليوم والغد وكل يوم فما سكان حمص إلا في طابور نحو الأنفاس الأخيرة ،
ضحى في مسيرات ووقفات متفرقة في المدينة تقول أن كل شيء صار ممكنا فمن لم ترعبه الضربات الثلاثة الأولى لن يرعبه بعدها أي شيء وقد تجاوزت حمص في العد آلاف الضربات ، لا يهم الخبز ولا الماء ولا حتى الدماء الجميع يعشق الارتقاء إلا مصاف الشهداء والأنبياء ، لا يهم الشبيحة ، قساة نعم لكنهم أخرجوا من جعابهم آخر قطرة قسوة ممكنة فأتضح أنها مجرد هباء ، لا يهمهم الدهماء ، لا يهم الغداء ولا الغذاء ولا البرد ولا الدواء ولا متى الانتهاء كل هذه الأشياء في قاموس الحمصيين شيء من الماضي فقد حسموا أمرهم و اختصروا القاموس إلى كلمتين فقط "الموت ولا المذلة " ضجت بها حقيقتهم بفصاحة لكننا لم نفهمها حتى صاحت بها الحناجر فيا للغباء .




في حمص ينتشر المساء تناثر الأشلاء التي يعاد شملها بعد درس مريع لكل طاغية في العالم من اللذين لم يفهموا بعد أن هناك فعلا شيء مستحيل لم يطلعوا على استحالته أو يخشون بطبيعتهم النفسية المريضة من الإطلاع عليه ، وهو أن أرقى صاروخ في العالم و أعتى قوة ممكنة لا يمكنها أن تقتل أبسط فكرة حين يحفر لها الإنسان عميقا في قلبه ويبثها بحب إلى الآخرين ،

يأتي الليل وفي حمص كل من عليها فان أو ينتظر الفناء ، يأتي الليلة وفي ظلمته تتوهج الفكرة توهجا يزيغ أبصار الطغاة ، فيعجزوا عن الإطلاع أن أقل فكرة شئنا ستظل أقوى من أعتى سلاح .

الثلاثاء، 27 مارس، 2012

بسيكلوجية الإتباع .



دائما مع أحاديث التاكسي التي تفرز كل شيء في أنواكشوط ، وكل التوجهات والأفكار الجميلة والشيطانية والمتوسطة والتافهة والعبقرية والمراوغة والطريفة غالبا ، حقيقة لايمكنني أن أمر بتلك الأفكار إلا وتذكرت هذه المدونة ، تذكرت أن علي أن أبدي ملاحظاتي ،
اليوم ركبت مع شباب يصنفون أنفسهم في مقدمة معجبي الشيخ الجليل محمد الحسن بن الددو ، لست هنا في مقام الحديث عن هذا الشيخ الذي أجله كثيرا ولا أتقن كلمات الإطراء وإلا لصرفتها في حقه فهو أقل شخص سيهتم بها أو سيدفع مقابلا لها ، وذاك ديدني فلست أهوى المدح الذي سيكلف الممدوح تأثرا داخليا ونوعا من الإحساس بالنفس أو مقابلا ماديا ، ،،، دعكم من تلك الدوامة ، نعود إلى حديث التاكسي .

يتحدث إثنان خلفي عن فضل الشيخ وتقاه ، ثم يعرجان إلى غرابة كراماته فقد نزل المطر ببركة دعائه وإستسقائه ، ثم تحدثا عن حديث "إدعوا الله بأفواه لم تعصوه بها" ثم يفسران الحديث أنه يعني دعاء الأتقياء الذين لم يعصوا الله يوما ، هنا تدخلت ناقلا بعض الأشياء ـ القليلة ـ التي ظننتني أعرفها ، فقد سمعت تفسيرا آخر لهذا الحديث ، وبكل المحاولات الممكنة التي أملكها تمكنت أخيرا من الحديث فابديت رأيي ، ثم ذكرتهم أن المطر خاص بسلطة الله ، وطبعا ليس مثلي من يقول ذالك لتلامذة الشيخ ـ فعودتهم سريعة إلى الحق وأحمد ـ أكدوا أنني فقط لم أفهم أسلوبهم وأنهم ماقصدوا مافهمت .

بعيدا عن ذالك الحوار ورد الحديث الذي كنت أستغرب أن جميع الأتباع يظنونه وارد في إمامهم وهو "إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه قال فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض" ،
الغريب هنا أن كل قوم يحبون من هم به معجبون ، ويظنون أن هذا الحديث ورد فيه ، فأتباع الطرق الصوفية على إقتناع تام أن هذا الحديث ورد في أشياخهم ، وأظن معجبي مايكل جاكسون ـ لو كانوا متدينين ، وسمعوا بهذا الحديث ـ لظنوا أنه وارد في مايكل .

يظن المتبع غالبا أن أي نقاش مهما كان هادئا في موضوع يمس المتبع هو مس مباشر من المتبع ولا شك أن أمطار الإتهامات الأولية ستسقط على رأسك بسخاء إن كنت أنت من يتحدث ، بعضهم لايكتفي بالطريقة السلمية والحضارية في الإتباع فتصيبك من صفعة أحيانا أو فردة نعل على وجهك ، فقط ركز حين تنتقد أحدهم على أنك أتخذت خطوة دفاعية لوقاية نفسك ، أنا فقط كنت محظوظا لأن المتبعين أحيانا يستشعرون أخلاق متبوعهم ويقتربون من الودية كما وجدت أتباع ـ الشيخ ـ ، ليس ذالك تعميم أيضا .

أذكر ـ منذ عشر سنوات تقريبا ـ ناقشت في الباص أحد أتباع ـ إحدى الطرق الصوفية ـ ، وقد كنت حينها غلاما مشاغبا ومعجبا ببضع صفحات قرأتها من كتب منوعة ، وظل محاوري يناقش بشكل هادئ حتى فوجئت بنعل على وجهي ، أطرقت فوجدتها سيدة تتطاير شررا ، من أنت حتى تتكلم عن الشيخ بهذه الطريقة ؟! ، بعدها صرت أضع كل الإحتياطات قبل أن اقع تحت إغراء أحد النقاشات التي سأستخدم فيها بضع الصفحات تلك ـ حقيقة أنه إحساس لايقاوم ، أن أدخل في نقاش حينها ـ لكنه كان يكلفني أحيانا صفعة على وجهي ، شتما في بعض الأحيان .

ختاما :


لا أظن أني بحاجة إلى التأكيد والتكرار ، أن كل ماذكر هنا لا يخص الشيخ محمد الحسن ولد الددو من قريب ولا بعيد ، لكن هو محاولة نقد للأتباع سواء أتباعه هو أو أتباع شيوخ آخرين ، فأظن بسيكولوجية الإتباع معقدة شيئا ما وتحتاج لدراسة عميقة وتمحيص ، لأنها أحيانا تحول بين المرء وربه ، وكم أعجبني كتاب الشنقيطي الذي قدم رسالة في "مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ" في كتابه ـ الخلافات السياسية بين الصحابة ـ وأوشكت أن أقول عنه أن الحديث سابق وارد فيه فلقد أحببته ، لكني تذكرت أخيرا أني كنت أنتقد هنا تلك الأحكام ، ربما في تدوينة أخرى .



الاثنين، 12 مارس، 2012

السوبر "ياي بوي"




بائعة الشاي قبالة سوق العاصمة التي تنتهز فرصة متعهدي خيام المشوي التي كانت تناقش المجموعة الجالسة بشأن مسيرة المعارضة أكدت أن ذالك يعني أن الحكومة ستوزع قطعا ارضية وان ذالك سيكون فرصة جيدة لها ولمثيلاتها .
كنت أعرف الكثير عن النظام الحاكم من غباء وهدايا يقدمها لقوى التغيير، لكني كنت على قناعة أنه سيغير في كل مرة أو هذه ـ على الأقل ـ بالذات منهجه في التصدي لمسيرة أرقته كثيرا وارتكب أثناء التفاعل معها أشكالا واصنافا من الأخطاء الفادحة ، من قبيل البيانات ذات الأسلوب والمحتوى السوقي التي صدرت من جهات عليا ورسمية في أحد أكبر وأهم الأحزاب الداعمة لنظام الجنرال "عزيز" ، كل شيء مهما كان ركيكا غير مستغرب عندي ، وقد أكدت كثيرا لزملائي في حركة 25 فبراير أننا نقوم بجهد كبير لكن النظام يتحمل عنا الجهد الأكبر بهداياه التي يقدم دائما .

كل شيء ليس مستغربا مني مهما كان ركيكا أو سوقيا لكني أيضا من مبدأ إحترام الخصم كنت كل مرة أتوقع فريقا يجتمع ويقوم بالتخطيط لكل صغيرة وكبيرة قد تحدث وكيفية التعامل معها وكل إحتمالات رد الفعل الناتجة عن أي فعل لإفشال أي تحرك ، نعم فريق من النوع الذي يضع عشرات الهواتف قربه ولديه خبراء في التخطيط وكيفية مواجهة المظاهرات وطبعا يكون قلقا كلما كانت مظاهرة مناهضة وسلمية في آن واحد لأنها تحد من صلاحياته القمعية الممكنة ، نعم صدقوني هذا ما أتوقعه منهم دائما وأخشى أن أترك هذا التوقع وأستهين بخصمي الذي أحرق الأخضر واليابس وقضى على كل جميل في هذا البلد .

لأني أنطلق دائما من نفس التصور الذي يحوي في إحتراما للخصم أن هناك فريقا مدربا بإمتياز على مواجهة الإحتجاجات ، تصورت أن الفريق أجتمع ووضع السؤال الأهم "كيف نوقف المسيرة أو نجعلها فضيحة من حيث الجمع ؟ " ، أتصور أيضا تدخلات من نوع : "تركز المعارضة في تعبئتها على .... " "فرضية عدم الترخيص ، " ، أو أشياء منطقية من تلك الفرضيات التي تبنى عليها خطط المواجهة لكن الطريف أن فريق المخططين حتى لو كان جمع كل الفرضيات وكان ذكيا خلف الكواليس خرج لنا بحل نكتة حق لها أن تحتل نكتة الموسم ، لقد افترض هذا النظام ان كل المشاكل الموجودة في هذا الوطن لديها حل واحد وهو "ياي بوي" ، أن كل المظاهرات التي لاتقمع بأدوات القمع الأصلية يمكن أن تقمع بـ "ياي بوي" .

تصوروا معي كم هو مضحك أن تعمل دوائر الدولة وتسخر لأيام من أجل وضع خطة أمنية لثني الشعب عن التظاهر ثم لايجد هذا الفريق ـ المضحك ـ من الخطط إلا توزيع "ياي بوي" ، إنه السلاح الخفي الذي أفرزته عبقرية هؤلاء إثر تقييمهم لشعبهم ، إنه السلاح الخارق الذي أعتمدوا عليه في إفشال مسيرة المنسقية التي تميزت بحضور وافر من الناس التي لاتنتمي سياسيا لأي حزب من الأحزاب المنظمة للمسيرة ، بل هو شعب تألم كثيرا ويبحث عن بصيص أمل يخلصه من سياسات التجويع المتلاحقة عليه ، لكل ذالك أستخدموا السلاح الفتاك "السوبر ياي بوي"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ياي بوي : نوع رديء من السمك يقوم نظام الجنرال بتقسيمه على الفقراء لثنيهم عن المشاركة في المسيرات أو الأنشطة المناهضة له .