الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

حين أتى العسكر






حين أتى العسكر وفي أول يوم لهم أتوا بخطاب سيكررونه عشرات المرات في مسلسل لعبة الكراسي المللة تلك، لقد أدعوا حينها ـــ وكل مرة ــ أنهم أتوا لإرساء مبادئ الديمقراطية ووضع أسس العدالة وإنقاذ الوطن من ويلات الظلم وسوء التسيير ، لم يأتوا وحدهم على دباباتهم ولم ينزعوا الأقنعة ولم يقولوا : "هذا انقلاب عسكري جاء ليستمر الى الأبد في عصور من الظلام والجهل والتركيع والإذلال" .
 لم يقولوا – صراحة-  انهم أتوا لترسيخ التخلف ونشر المحسوبية والقبلية والجهوية والظلم في حياة كل موريتاني .
 أتى العسكر والموريتانيون مليون واحد واليوم 3 ملايين ، مما يعني  مليونا موريتاني تمت إعادة برمجتهم على أخلاق العسكر بعيدا عن أخلاق الصحراء ــ على الأقل ـــ .


لم يظهر العسكر أيا من نواياهم في التحول الجذري الذي سيحدثونه في موريتانيا  إلى الأسوء في جميع مجالات الحياة، ولم يدعوا يوما أنهم سيحكمون موريتانيا لوحدهم بدون مشاركة من أحد ، كل مرة كانوا يُغرُونَ الجميع بخطاب سياسي يسيل له لعاب الشعب المسكين ، لذلك أحضروا مجموعة مدنيين للظهور العلني بالمظهر نصف اللين ، ومنذ ذلك اليوم نحن نصدقهم كل مرة في خطابهم الجديد ونلاحظ كل مرة أوجه المدنيين الجديدة المقدمة لنا .... وبعد ثلاثين عاما لازال العسكر يقومون بنفس الشيء ، يقدمون مدنيين على الواجهة او في زحمة صفوف المصفقين ، ويجددون خطابا وعنوانا لجلد الحرباء الذي سيرتدون.
                                           حفلة يحتفل فيها بعض المدنيين ـ الأدباء ـ بإنقلاب ولد عبد العزيز 

يخبرني بعض الكهول أن "بداية" فترة هيدالة كانت فترة ــ رائعة من تطبيق الشريعة ــ  ، ويخبرني آخرون أن بداية معاوية كانت أشبه بـ "الخلاص" من جحيم ولد هيدالة ، ولقد فرحت كثيرا بخروجنا من جحيم ولد الطائع ، واليوم نعيش جحيم "عزيز".

بعد كل انقلاب عسكري وصعود وجه عسكري جديد نبدأ من الصفر لأن البلد لم يكن قائما على مؤسسات ، كان قائما على شخص واحد يتحكم في كل تفاصيل الحكم وينتهج السياسة التي يراها مناسبة لاستمراره على سدة الحكم وليس لاستمرار الدولة ، منطقه في ذلك شبيه بمنطق الحمار في الموروث الشعبي "منين يشرب الحمار يسوى السيوه تنكب" ـ حين يشرب الحمار يفرغ بقية الماء أرضا ، شاهدنا ذلك مع سقوط هيدالة حين انتهى كل شيء ذا طبيعة مشتركة مع هيدالة وأتت بزات عسكرية "جديدة" في الواجهة واسم جديد ، وحين تم الاسقاط بولد الطائع تم اعادة صياغة كل شيء سواء الدستور أو البرلمان لأنه لم يكن يومها موجود فعلا إلا معاوية لا يوجد غيره ، واليوم حين أختفى عزيز قضى قبل "الرصاصة الصديقة" على كل مؤسسات الدولة تمهيدا لأن يكون "شخصه" هو المؤسسة الوحيدة ، والله العالم غدا من سيكون جلد الحرباء الجديدة وبأي خطاب ــ رنان ـــ سيترنم ؟ ! .
                                          نص الميثاق العسكري للجنرال عزيز ، ـ وهل للعسكر مواثيق ـ 

يقول البعض أن المؤسسة العسكرية هي الأروع تنظيميا والأجمل والأكمل بين جميع مؤسسات الوطن ، وهذه على ما يبدو هي الدعاية التي يغتر بها الكثير من مدنيينا ــ مشرعي الانقلابات العسكرية ـــ ، شخصيا لدي اعتقاد راسخ أن أسوء المؤسسات الموريتانية ــ إن وجدت ـــ هي المؤسسة العسكرية ، التي أقحمت نفسها فيما لا يعنيها ، وأفسدت أخلاق المجتمع وأحدثت تغيرات هائلة إلى الحضيض على جميع المستويات وأفرزت أشخاصا غاية في السوء أمثال ولد هيدالة ومعاوية وعزيز ، لم تفرزهم فقط بل قدمتهم للواجهة ليظلموا موريتانيا ـــ هيدالة ـــ أو ليفسدوا موريتانيا ـــ معاوية ــــ أو ليأكلوا ما تبقى من موريتانيا ـــــ عزيز ـــــ ، ويبدو أن الأخير لم يحالفه الحظ في اكمال أكلته ونهشه في الوطن فلا شك اذا أنه ترك بقية من الوجبة لعسكري آخر أو لعسكر آخرين، فمن سيكمل الباقي ، ومن هم المدنيون الذي سيُخدَعُونَ أو يتآمرون هذه المرة ؟.

                                         فيديو للظهور الأول لمعاوية وأنقلابييه ، بعد اسقاط الانقلابي هيدالة
                                         لاحظ الخطاب وقارنه بماذا فعل معاوية وقارنه بالبيانات الأولى لأي انقلاب