الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2011

الطريق إلى إينال 1
















كنت كغيري من الموريتانيين البيض المعروفين بـ " البيضان" نظن أن ولد الطائع كان بطلا حين أنقذنا من محاولة لتصفية عرقية كان الزنوج يخططون لها منذ زمن ، أنا أنصف نفسي حينها وأنصف الكثيرين من من يعتقدون بهذه الفكرة ، فالطبيعي أن لاتكون متعاطفا مع شخص كان يبيت لك الذبح .
الذي لا أجده منصفا هو أن لا أفكر قبل أعوام قريبة أن هذا يمكن أن يكون فبركة فمن مصلحة الذي أقدم على هذه "الجريمة" أن يكون له مسوغ يستفيد منه في مواجهة العالم والمجتمع ـ بشكل خاص ـ ، ولو كان مصيبا في دعواه ولديه أدلة لكان أقام محاكمة شفافة يظهر فيها كامل أدلته ، أما أن يقوم بتلك الإعدامات الغامضة ويخفي الجثث في بيداء دون أي علامة تدل على مكانها ،وكأن الذين قتلوا ليسو بشرا وإنما مجموعة من الحيوانات المصابة بمرض معدي ، ونبقى نصدق حكاية لم نجد عليها دليلا سوى أن الجلاد قالها شفهيا أو تناقلتها الشائعات .
لأجل كل ذالك قررت الإشتراك في هذه الرحلة رافضا من خلال مشاركتي لسلسلة الإعدامات الإجرامية من أجل مصالح سياسية دون أي سبل عدلية أو أدنى حقوق إنسانية ،
وفي هذا المقال ومقالات أخرى سأحاول أن أحكي كل ماحصل أثناء إحدى أغرب الرحلات التي خضتها في حياتي .

بداية كنت مصرا رفقة بعض زملائي على المشاركة في هذه الرحلة ، لذالك تحركنا بإتجاه الجهات المنظمو والتي كان من بينها حركة الإنعتاق " إيرا" وتعهدوا لنا بتوفير أماكن في الرحلة ، وكان مقررا للرحلة أن تنطلق صباح الأحد الموافق 27 ،
أستغرق تجمع المشاركين وقتا أكثر من ماكان متوقعا وكان ذالك سببا في تأخر الإنطلاق عن وقته المحدد سلفا وهو الخامسة صباحا ، كان الإنطلاق الساعة الثامنة صباحا كنت حينها مصابا بنعاس شديد لأني سهرت طول الليل كي لا أنام عن الموعد لذالك قررت النوم وقت الإنطلاق ، وبرؤية ضبابية ونعاس شديد كنت أرى ذالك الشرطي الذي كان مصمما على أن أقدم له بطاقة التعريف دون أن أفهم قصده كنت متعبا جدا ولم أفهم مايريده لدقائق ، عدت بعد أن قدمت بطاقة التعريف إلى نومي العميق مرة أخرى ، كانت أول صورة أراها بعد ذالك قرص الشمس الحارق وهو يلفح وجهي عابرا من زجاجة السيارة حين رفعت رأسي كانت القافلة قد توقفت ، كانت قوات من أمن الطرق قد سدت الطريق أمام القافلة لم أطلع بشكل مفصل على أسباب العرقلة ، ربما كانت بسبب أن النشاط ليس مرخصا ، كنت مقتنعا فقط أنها كانت مسرحية لإعاقة النشاط ، لكني لم أفهم مادخل قوات أمن الطرق في ذالك فقط عرفت أنها مسرحية سيئة الإخراج ،
لم تكن تلك هي الأسئلة الكبيرة بالنسبة لي كان السؤال الكبير بالنسبة لي هو لماذا قرر رجال أمن الطرق الإشهار بأسلحتهم الرشاشة في وجه المدنيين ، حينها شاهدت كما كبيرا من الرعب في أعين أحد الشباب الزنوج ، وضع يديه على رأسه كالمتأسف على مايمكن أن يحصل وكأنه كان متيقنا أن قرار إطلاق النار على هؤلاء الزنوج هو أمر بسيط وصدقوني ليس إحساسا لطيفا أن تعيش في دولة تظن أنها في أقرب فرصة قد تطلق عليك النار ـ صدقوني أمر مؤسف فعلا ـ .
أثناء ذالك كان هناك الكثير من الهرج والمرج ، كان بعض الشباب الزنوج مثارين ومتسرعين لكن وجود شخصيات هادئة من أمثال أستاذ جراحة العظام "سوماري" رئيس حركة إيرا " بيرام ولد أعبيدي " أدت إلى منع حصول مصادمات كانت محتملة بشكل كبير ، أثناء ذالك تم إيقاف مراسل رويتيرز ، حينها قررالجميع التخييم في المكان الذي تم إيقافهم به وكانت النية على الصمود في ذالك المكان حتى لو تعرض الجميع للذبح ، وبدأ الجميع في العمل على تجهيز الخيام والغداء كانت الساعة الواحد حين بدأ بعض الشباب يلتحقون بنا من أنواكشوط بعد أن عرفوا بإعاقتنا ، تناولنا الغداء وتم إنهاء الفصل الأول من مسرحية الإعاقات حين وصلت الأوامر من القصر الرمادي بفتح الطريق أمام المسيرة بعد أن تناولت وسائل الإعلام بشكل كبير نبأ الإعاقة وجو التوتر الذي حصل هناك ،
وقبل إنطلاقنا كنت قد تلقيت خبرا من أحد الأصدقاء والنشطاء الشباب " عال ولد الطلبة " أن فرقة درك هي أيضا مجهزة لأداء دور آخر في تلك المسرحية التي صار الجميع مطمئنا بمعرفة وقائعها القادمة ،
صعدنا السيارات وبدأنا المسير كنت أعود إلى عادتي القديمة في السفر وهي النوم وإزعاج الرفاق الذين على جانبي ، أسقط على أحدهم تارة ، أشخر تارة ، وفعلا عند الساعة الثامنة كنت أستيقظ على خبر ماراتون تفتيش بطيء .... سأتحدث عن ذالك الماراتون لاحقا .