الجمعة، 17 أغسطس، 2012

فيلم الرعب الموريتاني




أجواء رعب غير عادية تلك التي أعيشها هذه الأيام بعد قصص القتل المتوالية ، ليست جرائم القتل العادية ما أعني ولكن بداية ظاهرة خطيرة تغشى المجتمع وهو فقدان الغريزة الأبوية فجأة وقتل الأبناء .
لقد شاهدت عدة افلام رعب في حياتي رغم أنها غالبا ما تكون طريفة بالنسبة لي فنحن كما قال أحد الكتاب "نعيش الرعب في واقعنا المعاش " وبالتالي لن نتأثر كثيرا بأفلام أو قصص نعرف كواليسها فليست سوى مصدر دخل مدر لكاتبها أو للمثلين الذين مثلوا فيها ، لكن رغما عني لم أكن أحب بل كانت ترعبني كثيرا تلك الأفلام التي تتعلق بقتل الأبناء ، للذين شاهدوا فيلم “the ring “ لم أبدء في التأثر السلبي ــ فعلا ـــ بالفيلم وجعله يتجاوز حدود الكواليس والفيلم إلا بعد التطرق للسيدة التي رمت ابنتها في البئر والتي كانت سبب اللعنة التي طاردت الآخرين لسنوات حين دخلت روح البنت في فيلم كل من يشاهده يموت بعد أسبوع ، كل الأجواء والديكورات المظلمة وأجواء الرعب المعدة من قبل متخصصين فيه لم يؤثر بي أكثر من تلك اللقطة .
حين شاهدت فيلم "Shutter Island" أصبت بحالة كآبة لازمتني لفترة رغم روعة القصة وتماسكها وإتقان الإخراج .. كل ذالك لم يمنعني من الاحساس الداخلي الكريه عن أسوء ما يمكن أن يكون عليه البشر ، قتل الأولاد .

منذ حوالي السنتين أو الثلاث وموريتانيا تعيش أجواء من الانتكاسات الأخلاقية الفظيعة ، حقيقة أن النكسة الأخلاقية الموريتانية ليست حديثة عهد لكن كل تلك المساوئ خرجت للعلن في الآونة الأخيرة كأنها قنبلة موقوتة أنفجرت ، منذ عامين تقريبا بدأت ظاهرة الانتحارات تأخذ منحى آخر ففي شهر فبراير 2012 لوحده حصلت 4 حالات انتحار ــــ على الأقل ـــ ،، وفي اليومين الأخيرين ظهرت الجريمة في أفظع صورها وهو قتل الأبناء ، حيث طارت الأخبار بمذبحة من قرية الرواحل في الشرق الموريتاني من قبل امرأة قتلت طفلين لم يفطما بعد أحدهما ابنها والبارحة طارت أخبار أخرى أفظع أن رجلا قتل أبناءه الأربعة في أنواكشوط .
ولأن الخبر وحده يكفي من الصدمة فكيف بمحاولة تحليله فلا أجد ما أشبه به ما أشعر به الآن و أنا أجول بالتفكير محاولا فهم ما يحدث والأسباب التي دعت اليه إلا كشخص يجلد نفسه بسياط مدعمة بمسامير حادة .

على المستوى الأخلاقي :
نحن شعب أنسلخ من أخلاق الاسلام وأخلاق الصحراء وأخلاق العرب ، لقد صرنا ماديين الى أبعد الحدود رغم نسبة الفقر العالية التي قد تكون الأعلى في العالم ، لقد طبعتنا في العشريات الأخيرة من عمر الدولة انتشارا ثوريا في التزلف والنفاق و تصنيف الأشخاص على أساس ما يملكون وليس ما يمثلون من قيمة أخلاقية أو علمية ، لقد أصبح النفاق والتزلف والكذب والمحسوبية والزبونية هي المفاتيح الحقيقية للبقاء على قيد الحياة و اقتناء لقمة العيش ، في هذه "الغابة" من لا يملك احدى المفاتيح أو يملكها ولا يجدي استعمالها من قبله نفعا هو في حكم الميت المطحون في غياهب الفقر والجهل والأمراض ، لا حل آخر له إلا الانتحار .

على المستوى الشخصي :
كأني بالأم تستشرف للمستقبل الذي سيعيشه ابنها فلا ترى إلا افقا أسود ، لا يمكن للأم أن تؤذي ابنها ، لا يمكن أن تفعل به إلا ما تظنه خيرا له ، فكيف تقتله إلا اذا أوصلها تفكيرها أن الموت فيه راحة له و انقاذه من مستقبل مجهول ؟
كان الأب واضحا حسب بعض الشهادات ، ان الكاهل المثقل قد ينسي الانسان احدى أكثر الغرائز شيوعا وكثرة في هذا الكون وهي غريزة الأبوة التي توجد عند اليرقات ، لقد قالت بعض الشهادات أنه قال أنه "أراح زوجته من تكاليف ملابس العيد " !!!!! .


على المستوى الاجتماعي :
حقيقة أن من لم يجد ما يأكله أو يشتري به حبة اسبرين لتخفيف ألم الصداع لا يمكن أن نفكر له في متابعة نفسية فذالك ترف بعيد المنال ، لكن وبشكل عام في المجتمع هناك تفكير سائد حول الأمراض النفسية ، ففي ثقافة المجتمع المعادية للطب النفسي لا توجد عقد نفسية بسيطة تحتاج العلاج والاستماع ، كل من يزور طبيبا نفسيا هو ـ مجنون ـ ولا توجد حالات الوسط في ذالك حسب اعتبارات المجتمع ، لذالك لا يتعب أحد نفسه في أن يكون طبيبا نفسيا ، أو خبيرا ذا علاقة بالموضوع النفسي، يجب علينا أن نعيد النظر في هذه المسألة على الأقل كي يشفى بعض أغنياءنا من عقدهم العملاقة التي تفتك بالمجتمع من أعلى ، وتصور معي أكثر المجتمعات عقدا نفسية واجتماعية وأقلها أطباء وخبراء نفسيين واجتماعيين في أجواء سوء الأخلاق السائدة وغياب الدولة الحامية للفرد ،  وكم من الجرائم ينتظرنا في المستقبل ؟! .

وكم فيلم رعب سنشهده واقعا في حياتنا ؟ !! .