الأربعاء، 20 يونيو 2012

"ساركي" المسكينة





سأحكي عليكم إحدى أكثـر القصص قسوة وغرابة في العصر الحديث فقط كونوا صبورين معي رجاءا لأنها تتعلق كثيرا بواقعنا المعاش وكيف ينظر المسئولون فينا وأنظمة الحكم المتعاقبة علينا إلى هذا الشعب المسكين .
سأتحدث عن "فينوس الهوتنتوت" أو "ساركي" إنها فتاة إفريقية في العشرين من عمرها خطفها بريطانيون عام 1810 م من بلدها الأم جنوب إفريقيا حيث تنتمي هناك لإحدى القبائل المسالمة جدا تدعى "خوي خوي" لينقلوها إلى لندن محولين حياتها إلى جحيم معاش ، عرض جسدها الذي رآه البريطانيون حينها غريبا لتضخم أردافها في سيرك الحيوانات في بيكاديلي وكانت ترغم على التجول في القفص المخصص لها بالسوط وهي عارية ليشاهدها زوار السيرك كواحدة من العروض المهمة في سيرك الحيوانات ، يقولون أنها كانت تعرض تحت سياط مدرب الحيوانات المفترسة وكانت طوال العرض تذرف الدموع ، في الجانب الآخر كان المتفرجون يستمتعون بالعرض ويضحكون أو يستغربون في أحسن الأحوال .
ثم بعدها بـ 4 سنوات نقلت إلى باريس لتتعرض لتشريح مفصل لجسمها ـ الغريب حسب الأوروبيين حينها ـ قام الجراح الخاص بـ "نابليون بونابارت" نفسه "البارون جورج كوفييه" بتشريحها خارجا ببعض المعلومات نشرها فيما بعد يؤكد فيها أن أجسام الأفارقة أشبه بأجسام القردة وأن الجنس الأوروبي هو الجنس السامي .
أثناء معاناتها تلك نشأت عدة حملات متعاطفة معها ومحاولة لتخليصها وفعلا تم فتح ملفها من قبل المحكمة لكنها لم تحكم بتخليصها من هذا السجن بحجة أنها لا تعرف  حقوقها ، عام 1816 بعد 6 أعوام من المذلة والإهانة والمعاملة مرضت "ساركي" الإفريقية المسكينة التي لم تجد من يعاملها شمال البحر الأبيض المتوسط إلا بالازدراء والسخرية والإذلال ، لم يهتم أحد بها كانت تموت وحيدة .

قبل أشهر حضرت ندوة لمجموعة من منظمات المجتمع المدني حول تخطيط الأحياء العشوائية في أنواكشوط وهو ملف أشبه بموسيقى صاخبة يرقص عليها كل متحدث عن النظام اليوم وبالأمس أيضا ففي نظام معاوية كانت تشارك في الجوقة الكبيرة التي تضم الأنترنت والطرق وأشياء أخرى ، ما لفت انتباهي في هذه الندوة هو أني عرفت أن في موريتانيا عشرات منظمات المجتمع المدي "عن التسرب المدرسي وزواج القصر والمياه غير الصالحة للشرب ،، أسماء لا حصر لها " ولم أسمع عنهم من قبل والقليلون سمعوا عنهم في الحقيقة ، و الغريب أيضا أنه من بين عدة مداخلات من ممثلي هذه المنظمات أتضح لي تصور ـ شبه مجمع عليه من قبل المتحدثين وهي أن المواطنين هم المفسدين وهم الذين لا يتركون الدولة تمارس عملها وأن من واجب منظمات المجتمع المدني مساعدة الدولة في ضبط أمور توزيع القطع الأرضية لأنها تقوم بعمل جيد ، كأنهم يقولون " لننقذ هذه الدولة الوديعة من هؤلاء المواطنين المفترسين " تذكرت كاريكاتيرا تم تداوله كثيرا على الفيسبوك وهو تمثيل لإفريقيا برجل نحيل جدا يطعم أوروبا ممثلة برجل سمين جدا .

الشعب الموريتاني هو أشبه حالا بـ "ساركي" التي يستغلها الجميع ولا تعرف حقوقها ، الفرق فقط أن "ساركي" تعرف بدقة من هو المسئول عن معاناتها ، بينما الشعب الموريتاني لن يعرف من هو المسئول عن معاناته حتى لو أراد فليس النظام وحده هو المسئول عن معاناته رغم أنه المسئول الأكبر ، كل من يقرأ هذه الكلمات اللآن وكل من لا يقرؤها هو مسئول عن تلك المعاناة التي نعاني منها بدرجة كبيرة .