السبت، 11 مايو، 2013

قصاصات حول النضال السلمي والنضال العنيف (2)





كثيرا ما حصلت تحركات سلمية نضالية مطلبية ولا تلبي النتائج المرجوة منها ، وكثيرا ما تبهرك النتائج ـ الظاهرة ـ السريعة لبعض التجارب العنيفة .. هل تظن ذلك؟ !

*محاولة لتفكيك السؤال السابق :
(1)
الحراك أو النضال السلمي هو نوع أصيل من أنواع الصراع فهو يجعل من الحتمي التخطيط له جيدا وتوفير الاحتياجات الضرورية التي تجعله قادرا على انتزاع الأهداف المرجوة .
حين تخرج مجموعة من الغاضبين بشكل عفوي وتنتشر في الشوراع دون سابق تخطيط وتنظيم فإنهم لا يفعلون من حل مشاكلهم إلا التفريج عن الغضب لأن البوصلة الضرورية لنجاح أي نضال تنقصهم وهي التخطيط .
تلك التجارب الفاشلة لا شك تسيء للمثال السلمي في النضال لأن الأغلبية لن تفكر في الضعف التخطيطي والأخطاء الفادحة بقدر ما سترمي بالتفسيرات الجاهزة والمريحة التي تنجي من التحليل العميق المتعب ، مثل : "مشكلتهم أنهم يظنون أن باستطاعتهم تحقيق شيئ بالسلمية .. وفي الحقيقة لا تحقق السلمية أي شيء" ، وينطلق تحليلهم هذا دائما من منطلق فهمهم للسلمية كنوع من الاستسلام والخنوع وهي أبعد أشكال النضال من الاستسلام بما في ذلك النضال العنيف الذي يعتبر في أحد جوانبه استسلاما للغضب والضعف.

إن الممارس للمقاومة السلمية لا يكفيه أن يصيح بالرفض في عفوية أو غضب بل عليه أن يضع في قرارة نفسه أن أهم شيء هو تحقيق الأهداف التي يقاوم "سلميا" من أجلها ووضع الأسئلة الكبيرة والمهمة جدا :
ـ ما هي أهدافي و كيف أفكر "مبدئيا" في تحقيقها ؟
ـ ما هي الرسائل التي أريد أن أرسل و لمن أرسل هذه الرسائل ؟
ـ ما هي عناصر الضعف لدى الخصم (المستبد) وعناصر القوة لدي ؟
ورغم ضرورة التخطيط الإستباقي في العمل النضالي السلمي إلا أنه يبقى في الخط العام للنشاط النضالي، إذ أنه لا بد وجود مكان كبير  للعفوية في الكثير من التفاصيل ــ التي أفضل التعبير عنها بالجانب الجمالي من العمل النضالي إن كانت موفقة ــ للتفاصيل الجزئية التي تعتبر العفوية فيها أقرب إلى إضافة الألوان الموفقة للوحة فنية خالدة.
(2)
 في تجربتين "نضاليتين" سلميتين حدثتا في موريتانيا حققت إحداهما بعض النتائج الطيبة بينما لم تحقق الأخرى كثيرا سأحاول استعراض التجربتين فيما يلي :

*المثال الأول :
تجربة الأستاذة المعتصمين في الوزارة والتي كانت رائدة ، وقد اعتمدت على العناصر التالية :
ـ ربطت صلات سريعة بوسائل الإعلام وكانوا حريصين على أن ينقلوا كل تحركاتهم .
ـ اعتمدوا على تنويع الأنشطة وصناعة الحدث في الكثير من المرات ، مثلا :
- أقاموا صلاة العيد في مكان اعتصامهم ،
- استدعوا عائلاتهم لمشاركتهم الاعتصام للفت إلى حالتهم الإنسانية كآباء عائلات توشك عائلاتهم على التضرر من فقدان مصادر العيش ،
- ظهروا في كل مكان يتواجد في وزير التعليم لجعله دائما تحت الضغط والإحراج .
ورغم أن الوزير ولد باهية كان متعنتا وهو من أكثر الوزراء مكرا وتلاعبا بمن يقعون تحت "إرادته" فقد وجد نفسه تحت ضغط شديد جعله يلجأ للخطأ الكبير وهو اللجوء إلى اعتقال بعض الأساتذة واستمرت تلك الاعتقالات لفترة ليرضخ أخيرا تحت الضغط ـ وليس منة منه ـ لمطالب الأساتذة التي سبق وأكد بأنهم مستغلين سياسيا ويطالبون بما ليس من حقهم ، رغم كل ذلك فقد سقط أخيرا .

*المثال الثاني :
تجربة نشطاء المظالم في انواذيبو والتي اعتمدت في ثاني تحرك لها أقصى خطوة تصعيدية ممكنة وهي "الحج الاحتجاجي" ، بدأت التجربة بمؤتمر صحفي وبدل الاستمرار في أنشطة ميدانية وإعلامية متصاعدة أعلنوا عن رمي ورقة الجوكر الأهم وهي مسيرة راجلة من نواذيبو إلى نواكشوط ، ورغم أهمية الخطوة إلا أنها كانت خطوة خطأ لأنها استخدمت قبل وقتها وقبل وضع الأساس النضالي ذي الوتيرة المتصاعدة في الذهن العام للناس .. المشهد كان أن بعض الناس ــ فجأة ــ خرجوا من نواذيبو راجلين حتى نواكشوط ولحظات انبهار وان لم يحققوا أهدافهم ستبدأ القصة العظيمة في النسيان .
لكن تصوروا لو أن نشطاء نواذيبو بدءوا بأنشطة ميدانية متنوعة وبحشد الجماهير وربطها بالقضايا التي آمنوا بها ونشر الفكرة أكثر فأكثر داخل المدينة ثم التلويح بأنشطة تصعيدية أولية من قبيل اعتصامات مؤقتة في بعض المناطق الحساسة ثم تنفيذ الخطط التصعيدية واحدة تلو الأخرى بعد ربطها بالذهنية العامة أو العقل الجمعي من خلال التركيز على الجانب الإعلامي ، حينها سيكون النظام في حيرة من أمره ويخشى من كل خطوة تصعيدية لاحقة ، وحين يبدأ النشطاء بالتلويح بالورقة الكبرى وهي المسيرة الراجلة إلى نواكشوط كان عليهم ربط الناس وتحضيرهم ذهنيا لها وتشويقهم ومحاولة تحويلهم إلى مشاركين بدل تركهم مراقبين ،، مثلا :
ـ الإعلان عن المسيرة قبل انطلاقها بـ 6 أشهر وبدأ التخطيط
ـ إنشاء صندوق للإسهام في موارد الرحلة
ـ نشر رقم لاستقبال المشاركين في المسيرة أو في أجزاء منها وتسجيل عناوين المستعدين للاشتراك 
ـ توزيع المنشورات في نواذيبو لشرح أهداف ومطالب المسيرة
ـ محاولة ربط الصلات بأشخاص في المدن المجودة في طريق المسيرة وتحديدهم كممثلين لها في تلك المدن وتدارس خطة الوصول لكل مدينة وطرق العمل داخل تلك المدينة
ـ نصب خيام على ضواحي المدينة قبل بداية المسيرة بـأيام لتكون نقطة الانطلاق
ـ التمهل في المسيرة ووضع تصور واضح للجميع عن مراحلها وعن مرحلتها النهائية بالإضافة لتقديم طلب للجماهير الالتحاق بها في أي مرحلة .
وبالمناسبة بعض عناصر الخطة السابقة مستلهمة من خطة غاندي في مسيرة الملح والتي كانت أهم أنشطة المقاومة السلمية على الإطلاق و كسرت ظهر بريطانيا العظمى.