الخميس، 13 مارس، 2014

وهم التراكم



1)   مفهوم التراكم من منظورين
يرى الكثير من السياسيين "التقليديين" ـــ من إطار تبريري ــــ اليوم في موريتانيا أن عملهم السياسي هو عبارة عن جهد تراكمي يساهم في توعية الجماهير وربطها بالشأن العام إلى أن تحين ساعة التغيير التي سيهب فيها المجتمع الموريتاني بشكل عام بعد أن يصل التراكم (المزعوم) المستوى الأقصى ـــ إن كان سيحدث يوما ـــ،
وكذلك يميل بعض "المراقبين" و "الفاعلين" في المشهد السياسي ـــ كتفسيرــــ إلى أن يعزوا القدر "الموفر" من الحريات العامة وحرية الاعلام إلى تراكم النضال السياسي على مر الخمسين سنة الماضية ، وكأنهم بذلك يحاولون تفنيد ادعاء ممثل النظام العسكري الجنرال عزيز بأنه هو من وفر ذلك الجو من الحريات وأنها من انتاجه وحسناته .
لكن الخطير في استغلال سياسيينا لهذا المفهوم "التراكم" هو أنه صار كمفهوم مبررا للكثير من الخلط السياسي المضحك أحيانا ، فعبارة من نوع التراكم قد يستخدمها أي سياسي تقليدي يتسربل بثياب معارض/مناضل لتبرير خطوات انتكاسية كالمشاركة في حكومة النظام العسكري أو كغطاء لبعض الهرولة المصلحية التي قام ويقوم بها أغلب السياسيين المعارضين على مر العقود القليلة الماضية ،

2) وهم التراكم
كي لا أكون محبطا لهمم الرفاق المناضلين الحاملين لهم التغيير سأعترف في بداية هذه القراءة قبل الدخول في تحطيم هذا الوهم المستبد بعقول بعضنا، سأعترف بداية أن كل أجيال النضال السابقين حاولوا بجهد وصدق وشغف وحماس وتضحية إحداث التغيير وتحقيق الأهداف التي وضعوها لنضالهم ، هذا ــ طبعاــ قبل أن يتم تدجين بعضهم أو قبل انخداع بعضهم بالتفسيرات الكسولة لمفهوم الواقعية .
وفي إطار مناقشتي لوهم التراكم أقترح عليكم تقسيم الطرح الناقد لهذا المصطلح على المستويات التالية :
·     متى يكون من حقنا إدعاء احداث تراكم انطلاقا من نضالنا ؟ !
أظن أنه توجد إجابة وحيدة منطقية تجعل من حقنا نسب أي تراكم نضالي أو حقوقي لنشاطنا أو اقحامه في كل شاردة وواردة في طرحنا السياسي ، هذه الاجابة هي أن نكون فعلا وضعنا خطة استراتيجية طويلة الأمد (خمسينية مثلا) لنضالنا السياسي ، وانطلاقا من وعي كامل بها وبمراحلها يمكننا أن نتجرأ ونتسربل بمصطلح التراكم تفاديا لبعض اخفاقاتنا، وأقول جازما أنه لا توجد خطة استراتيجية طويلة الأمد لدى المناضلين أو المعارضين التقليديين للتغيير في موريتانيا .
·     ما هي نتائج "التراكم" المتحققة الآن ، ومن المستفيد منها ؟ !
يدعي البعض أن تراكم النضال الموريتاني كحقيقة يستند على بعض المعطيات التي تؤكده ومن أهمها اطلاقا، حرية التعبير والمستوى المتوفر من الديمقراطية الشكلية بالإضافة لبعض تجليات الحريات العامة ، ويعتبر هؤلاء بشكل قاطع ــ وأنا أوافقهم في ذلك تماما ــ أن هذه المكتسبات ليست منة من عصابات العسكر تنازلوا عنها رغبة منهم في تغيير بلادهم نحو الأحسن ،
لكن هذه "المكتسبات" ليست بالضرورة من صناعة التراكم المزعوم، فالحالة العامة في العالم تفرض هذا المستوى الضئيل من مظاهر الديمقراطية، ولعل ذاك هو التفسير الأقرب لتنازل النظام العسكري عن هذا الفتات المضلل.
ولو قمنا بتقييم بسيط لهذا الفتات لوجدنا أن المستفيد الأكبر منه هو النظام العسكري فهو يشكل قناعا مناسبا لتضليلنا في تحديد نوعية النظام الذي نواجهه، بالإضافة إلى أن استفادة المعارضة وقوى التغيير ـــ إن صح التعبير ـــ من هذا الفتات لا تعتبر حتى بل العكس، لقد فقد خطاب التغيير في ظل الضبابية الخادعة الكثير من بريقه ووضوحه وتأثر بذلك الطيف المعارض نفسه، والذي غالبا لديه إجابتين موسميتين عن كل سؤال يتعلق بالمفاهيم السياسية العامة ، مثلا قد يجيبك أحدهم اليوم أنه لا يوجد ديمقراطية في موريتانيا في حين يجيبك في موسم آخر أن هناك أسس للديمقراطية لا يحق لنا أن ننكرها رغم أن الحالة لم تتغير في كل تفاصيلها .
·     هل هناك تصور لصناعة تراكم تغييري في المستقبل؟!
غالبا ليس هناك طرح تأسيسي لتخطيط طويل الامد ينتج تراكما يصنع تغييرا ، لكن عبارة التراكم تستخدم كثيرا في الخطابات السياسية المعارضة لتبرير الخطوات البارغماتية التي يلجأ لها أي طيف سياسي في اطار نظرته الخاصة الضيقة والمنعزلة تماما عن أي نظرة لصناعة تأسيسية للتغيير .

عموما، أريد الاعتراف والتأكيد على الأهمية القصوى للتخطيط في أي عمل تغييري جاد يتجاوز الأطر والاطروحات الضيقة، ولا شك أن نتائج ذلك التخطيط في كل مرحلة هي تراكمات من الثوابت الوطنية التي تأسست في كل مرحلة عن وعي وتخطيط مسبق. ، لكنه بكل تأكيد ليس الوهم الذي نبيعه لعقولنا الآن .