الأربعاء، 25 أبريل 2012

عقلية الحجارة والنار




لست أدري هل من المناسب الحديث الآن عن هذه الممارسات التي تكررت كثيرا في مواجهة الشرطة بعنف والإيغال في إهانتهم وتوجيه اللكمات للشاردين منهم ومصادرة أدواتهم وتسميتهم بالتسميات المهينة "كالكلاب" مثلا ، هل الوقت مناسب للحديث عن ذالك برأيكم ؟ ! شخصيا لم أتمالك نفسي مع الحوادث المتكررة من ذالك النوع ـ توكلت على الله ـ


بعيدا عن العبارات المستهلكة والرومانسية ـ أحياناـ  عن أن الشرطة هم عناصر من الشعب ويعانون من ما يعانيه ويصطلون بناره وبؤسه ، بعيدا عن التأكيد أنهم يمارسون عملهم في إطار من العنف المسموح به من قبلهم والذي يزيد فقط حين يوجد سبب لذالك وإن زاد ذات شرود دون عذر فهو محسوب عليهم بشدة وعلى نظامهم ، وميزة تضاف إلى رصيد المقاومين السلمين والمطالبين بالحقوق.
القضية ليست كذالك فقط ، ليست كل تلك الشعارات السابقة ـ و الصادقة فعلا ـ  ، القضية من جهة أخرى ـ ومهمة جدا ـ  هي موريتانيا التي نريد ، موريتانيا التي نرسمها اليوم قبل الغد ، كيف نريد الاحتجاجات بعد التغيير ؟ ، موريتانيا لا تتوقف  مشاكلها ولا أناتها بسقوط عزيز ولا بسقوط العسكر ، ستستمر المشاكل لسنين قبل الحلول المؤسسية شبه النهائية ، فهل نريد أن يعالج كل صاحب مطلب ومظلمة أو صاحب قضية قضيته بالحديد والحجارة والنار ؟
أستغرب أن يفتخر أحد في كونه كسب غنيمة من الشرطة أو أوقع فيهم مصابا ثم يفاخر السماء ويتنفس الصعداء بانتظار يوم آخر ليسقط فيه شرطيا آخر ، وكأن كل مشاكله كانت أن يصيب شرطيا أو يكسر عينه ، وكأنه لا يضع خريطة لأولوياته، بأي منطق هذا ؟
لا أدعي أن هذا التأزيم وكل تلك الحجارة والنار لن يأتيا بنتيجة في التغيير ، لكنه ليس اللوحة الجميلة للوطن الذي نريد وسيكون ذا تكلفة عريضة وواسعة من كل جانب وفي كل وقت وربما يجر لما هو أطول ويعطي المبررات الأخلاقية لقدر أكبر من القمع والعنف وينقذ النظام من المجاعة السياسية التي بدأت تحاصره شيئا فشيئا ، وليس الطريقة التي نريد أن يحتج بها كل صاحب حق في المستقبل في ظل حكم أي حزب أو فكر  ، 
قتل الشرطة ليس ما نريد ، إهانتهم ليس ما نريد ، نريد أن نرسم اليوم موريتانيا التي نريد في المستقبل . 






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استريحوا من وعثاء هذه التدوينة مع هذه الصورة الرائعة الصافية من بلد يجب أن نفكر بجدية في مستقبل نظيف له . 

الخميس، 19 أبريل 2012

رئاسة جمهورية النفس (3)


في أول انتخابات لرئاسة جمهورية النفس تحار بين كمية الخيارات المغرية التي تهاجمك من كل جانب وتغريك بما تقدمه لتجعل النفس تابعة لها دون سواها أو بسواها لكن بمستوى أقل بكثير من مستواها .

  المترشح باسم الدين
تتنافس عدة توجهات تمثل الدين في رئاسة جمهورية النفس ، بعضها يغذي الحماس الذي يسيطر على الجمهوريات الشابة وبعضها يقتحم الروح في جو الربانيات والعشق المعقد وعالم التصوف و الماورائيات ، بعضها يدعوك لتفجير نفسك كل مرة ثم تود لو أن لك حياة أخرى فتفجرها مرة أخرى ، سيقنعك بكل النصوص إن لزم الأمر ، وإن رشحته فأنت معمل كيميائيات سينفجر في أي لحظة لكن العاطفة الجياشة ستجعلك موقنا بالجنة بعد الثانية الأولى للانفجار فلا خوف عليك بعد ذالك ولا أنت تحزن .
في الدين مرشحون آخرون قد لا يكونون ذوي حظوة كبيرة في الجمهوريات الشابة ، لأنهم لا يحملون كمية حماس كبيرة و لا يضمنون الجنة بعد الموت بثانية ، فقط يشاركون الجمهورية ببعض المشاعر والأحاسيس والعقائد و الرقائق التي تبحث في هدأة الليل عن السكون والسكينة و تنفق فيها اليد اليمنى ما تجهله أجهزة مخابرات اليد اليسرى ، تأمر بحب الخير والإخلاص والوفاء و إكمال مكارم الأخلاق و تمشي على الأرض هونا ولا تريد علوا فيها ولا فسادا ، تضمر أكثر مما تظهر من " الحب والإيمان والصلاح والتقوى والعفاف والرضا والكفاف والرجاء والإنفاق والصلاة والصوم و الزكاة " .

المترشح باسم المشاعر
الحب وتنوع المذاقات ، هل تسرف الجمهورية في مدامه وتنحى ذالك المنحى الذي يبحر فيه فقط من أتقن الإبحار في الخيال وأمتلك تلك الشجاعة ، ليس كل شجاع من يقاتل يمينا ويرد الضربات شمالا فهناك فسحة كبيرة من الشجاعة للعشاق والمحبين المقتحمين عالم المخاطر بقلوبهم زمرا في كل عصر منهم صريع ينبئ جنونه بخطورة المساحة التي أقتحم ، لكنه أيضا يضمر الكثير من المغريات مستحيلة المقاومة ولأن حربها تدور بين العقل والقلب فإن الأخير غالبا ما ينتصر ، يبشر مرشح الحب بعالم أفضل للجمهورية .

ينطوي السباق على الكثير من المرشحين والدوائر و أنت من سيحسم الانتخابات والقرارات :
ـ أنت من تختار هل ستكون رجلا قبليا يعميك البعد القبلي عن كل شيء سواه ، ترى من خلال القبيلة ولاشيء سواها .
ـ  أنت من سيختار هل ستركب موجة الحرية وتتيه في عالم لاحدود له ولا معالم ، لا مسؤولية ولا قيود ولا شروط ولا بنود
ـ أنت من سيختار هل ستعبد الله بقتل الناس وتشريدهم ، أو بغضهم أو إكراههم في الدين ، أم حبهم و محاولة إسعادهم وعبادة الله بما شرع دون أن تجعل الوسطاء بينك معه من الناس ينظرون إليك ليقولوا "فلان تقي وصالح لا يوجد منه اثنان" .
ـ أنت من سيختار هل ستهيم في عالم الحب والعشق والسفر البعيد ، حيث أفكارك اليتيمة التي لا تجد تعزية غير قصائد المجنون وليلى العامرية .
أنت فقط من ستحدد ما ستكون عليه "جمهورية نفسك

السبت، 14 أبريل 2012

رئيس ـ الانتحار ـ



تفهم نفسية المنتحر هي من الأشياء الصعيبة جدا ، فأن تنعدم عندك غريزة حب البقاء التي زرع الله فيك وأن تدير الظهر للعادات الاجتماعية والمبادئ الدينية لهو أمر صعب التفهم أو الفهم والاستيعاب .
طبعا هذا كان قديما ـ أيام تردد الانتحار البطيء ـ كأن يحدث انتحار كل 10 سنوات أو 5 سنوات وتتوقف دائرة الأشياء حائرة عند هذا الفعل النادر والغريب ، اما اليوم فقد أصبح أكثر الأحداث تكرارا في الأخبار أحداث "الانتحار" فقد سجل شهر فبراير 2012 لوحده 4 حالات على الأقل فيما سجلت منذ يومين حالة الانتحار الغريبة التي حصلت من أعلى عمارة الخيمة.
 وهذه ظاهرة خطيرة و تتنامى بسرعة ومن الخطأ ما تحاول الإذاعة الموريتانية هذه الأيام الترويج له أو لفت الأنظار عن الأسباب المقنعة إثر بعض التحليلات التي يؤكد أصحابها أن من بين الأسباب القوية لذالك انتشار الدراما والمسلسلات المؤثرة في النفوس والمثيرة التي تصور ظاهرة الانتحار كنوع من البطولة ، وهذه دعاية لا يوجد أسخف  منها إلا توزيع "الياي بوي" على الفقراء لثنيهم عن الحضور للأنشطة المناهضة للنظام ، ـ و لا يوجد لدي تفسير مقنع أكثر من الوضع المزري الذي تعيشه البلاد على جميع الأصعدة الذي جعل غالونات اليأس تتسلل إلا نفوس الكثيرين من الذين يسهل ركونهم إلى ذالك ..

لإن كان الجنرال قد وعد بتقسيم ـ أشوية العدل الباقية ـ فإنه ليبدو مصابا "بعمى العدل" أو بالكذب أو بهما معا ، ولإن ادعى أنه رئيس الفقراء ـ وقد فسروها بتفقير الشعب في إحدى الطرف ـ فهو صانع البؤس و قاتل البؤساء ، و لإن أدعى الأفكار العبقرية و أتهم غيره بسرقتها فقد أبدع بروعة منقطة النظير في خلق أسباب الانتحار وحق له ذالك لقبا  ـ رئيس الانتحار ـ   .

الأربعاء، 11 أبريل 2012

رئاسة جمهورية النفس (2)


الحملة الانتخابية

في انتخابات رئاسة جمهورية النفس ليس كل شيء مقبولا فهناك حدود من نوع ما في إظهار الرغبة في الفوز لكن الرشاوى المسيلة للعاب ليست من بين المحظورات ، ليست مقنعة في الأخير لكنها تجعل صاحبها في موقف جيد للتفاوض كما يقول مورفي ، على أساس تلك الرشاوى الغير مباشرة بدأ بعض المرشحين يداعب منطق الجمهورية .

المترشح باسم المجتمع القبلي




"إن وجودنا في خدمة الجمهورية ليس أمرا مستحدثا ولا يحتاج لشرح فالجميع يعلم كم قدمنا للرئيس السابق ـ الأب ـ من الدعم المعنوي والمادي في العناية بالجمهورية وأنها بكاملها وبكل مكوناتها وبرئيسها السابق تمثل جزءا محببا ككل أجزائها و مستعدون لمساعدها في أي مرحلة من معترك الحياة ، لكننا كأي فكرة وأطروحة غير ملزمين برعاية من لا يختارنا ، فعلى الجمهورية أن تختار رعاية حقيقية وصلبة في عالم من الوحوش التي لا تعترف بأي مبدأ جميل حتى ولو كانت تتشدق به ، فهناك فرق بين الواقع والشعارات ، يقولون شعارات ونحن نجسد الوقع ، فلا ضمانات إلا مع القبيلة ولا سند إلا بالمجتع القبلي في عالم الحيتان هذا ، سنقدم كل ما بامكاننا وبكل أساليبنا الضاغطة لنجعل الجمهورية حيث يجب أن تكون ، ولا يخفى على أحد أننا ندير العديد من الجمهوريات بطريقتنا ونجعلها تبدأ الطريق الصحيح وتأخذ مكانتها المستحقة ، كل ما عليكم هو التصويت لخيارنا بقيادة جمهورية النفس لتختاروا من خلالنا المثل القبلية . "



 المترشح باسم الحرية 


" أنا أنت ، أنا حيث تريدين ، أنطلق منك واليك اعود ، أنا حريتك ، أنا قرارك ، يريدون انتزاعي منك وجعلنا عبدين لأهوائهم ورغباتهم ، قد يعجبك قولهم وقد يبدو لكي مقنعا لكنه ليس حقيقتك وليس ما أنت عليه ، الذي يؤلمني أن ظروف جمعنا معا تحت ظلهم وحكمهم ستجعلني غير قادر في الكثير من المواقف على فرض رأيي وستتسع مساحة العبودية في نفس كل منا وسنرى ضوء الحرية معا يخفت شيئا فشيئا ، وسنرى كل شيء يعني لنا الكثير يختفي وفي الأخير سيبدأون عملية التحول وبعد 20 سنة لن تتعرفي على نفسك وسأكون قد اختفيت للأبد كي أعيد تعريفك بنفسك و سيحل محلك مسخ جديد فرضته وصاغته تلك الظروف وليس أنت ، فلا  تختاري غيري مادام الوقت يسمح في انتخابات جمهورية النفس ."

وفي زحمة الاقناعات تلك كانت دوائر الجمهورية تعمل على تصنيف المرشحين والبدء في إجراءات دعمهم ، فتبدو دائرة العاطفة في جدال شديد حول الكثير من التصنيفات والخلافات الداخلية فيها ، المحافظون في دائرة العاطفة يشدون الحبل نحو التوجه المستقل فيما يتعصب المصالحيون على التأني لدراسة الخيارات الباقية التي توفر مردودا ماديا ملموسا ،  تتفق دائرة العقل على التقاسم نصفين ومحاولة التوفيق بين المرشحين ، فيما تتسرع دائرة المعنويات إلى دعم الأكثر أداءا في ارتفاعها .
ويمتد طابور المترشحين ليشمل "الدين بأنواعه وتصنيفاته وشيعه ، و الايديولوجية في تنوعها و العمل والبيت والأصدقاء والحب ، وتكتشف الجمهورية كل مرة دائرة جديدة مؤثرة في إختيار من سيكون رئيسا لجمهورية النفس . "



الثلاثاء، 10 أبريل 2012

رئاسة جمهورية النفس (1)




الثورة :



جراء أزمة عاطفية مفاجئة في أولى سنوات المراهقة اثر صفعة لأسباب غير مفهومة من رئيس الجمهورية المتمثل "الأب" و الذي يحكم الجمهورية منذ ولادتها عن رضى وقناعة دون اللجوء ولو مرة واحدة للسؤال "لماذا ؟" ، قررت ـ اخيرا ـ جميع أجهزة الجمهورية أن التغيير قد حان .
جميع الجمهوريات الصديقة كانت تواسيها وترسل بيانات تنديد بالتصرف الذي صدر عن الرئيس وأن لكل فترة أساليب حكمها ، لكنهم أيضا لم يكنوا يحبذون فكرة التغيير لأنهم لم يطمئنوا بعد إلى البديل من سيكون ، تلك الجمهوريات الصديقة لا تريد الجمهورية في أولى سنوات المراهقة أن تتخلص من الحكم المعتاد الذي لازال الكثير من العطاء أمامه ـ وعن قناعة منهم ـ لا يمكن أن يقدمه إلا هو .
وبالتوازي مع بيانات التنديد التي كانت تمطر رأس "الأب" أتضح جليا لتلك الجمهوريات أن الثورة قد باتت وشيكة ، كانت تحاول في الجانب الآخر تهدئة الجمهورية وإقناعها أن الأزمات العاطفية و الاعتداءات البسيطة لا يمكن أن تكون سببا للفوضى العارمة التي من الممكن أن تحدثها الثورة ، كانوا يحاولون على مدى أيام بكل الضغوط التأكيد أن أي تحرك سيحل الفوضى بدل التنظيم وأنه يعتبر من مجمل المحرمات التي ستطيح بالجمهورية الدرك الأسفل من كل شيء ، لكن الجميع أتضح له أن عجلة الوقت قد دارت فعلا ، فبدءوا على عجل بالتعاطي مع المرحلة الجديدة .
كانت نظرية الثورة بسيطة وسلمية وفعالة ، بنيت على مبدأ اللا تعاون ، قرر الشعب أن أي أوامر صدرت من الأب سيتم تجاهلها حتى يتضح له أنه لم يعد رئيسا للجمهورية بعد اليوم ، وفعلا استقلت الجمهورية و نظرات تأنيب تتابعها من الجوار ونظرات إعجاب أخرى .

الفراغ السلطوي :

لم يستتب الأمر بعد ذالك في الجمهورية لأشهر طويلة ، تناول الحكم في كل مرة شخصيات جديدة ، حولها ذالك الى حالة بائسة من التخبط والتشرذم والتأنيب من جيرانها .
تولت السلطة أولا شخصية المرح : المحبة للحرية والسهر واللامبالاة ، فيما أهملت كل القطاعات الأخرى وعلى جميع المستويات لينتشر واقع من الفوضى العارمة أخافت العالم كله فبدأت محاولات انقلابية وحصار اقتصادي يضرب على الجمهورية حتى تثور على الشخصية الجديدة الغير قابلة للحكم .
ومع اشتداد الأزمة قرر الرئيس الكمون في الخلفية و طلب انتخابات مستعجلة وزورها لصالح رئيس يمكن السيطرة عليه ويحظى قبولا من الجوار وهو  "الشخصية المهادنة" التي تحاول كسب ود الجميع لكنها لا تحمل مشروعا واضحا في إصلاح ما تم إفساده فقط بطبيعتها الدبلوماسية المخادعة احتالت على الجيران شيئا ما في حين ظل الرئيس السابق هو الممارس الفعلي للسلطة دون علم احد .  
بعد فترة من المغالطات التي تدير بها الحكومة التي لا تتحلى بالكفاءة الأمور ، أتضح لجميع القوى الحية داخل الجمهورية أن الوضع بات خطيرا وأن تغييرا صار من اللازم إحداثه لتدارك ما يمكن ، فعمل الجميع على احداث ازمات بتوضيح المغالطات والعمل على تبرئة الجمهورية منها حيث أنها لا تعني إلا الرئيس الذي قام بها ومساعديه وأن انتخابات لاختيار رئيس شرعي ونظام حكم جديد بات من الضروري ، بدا الامر مقنعا وبدأت كل القوى الوطنية في الجمهورية تلتف حوله حتى فهم النظام نفسه ورحل .
وتم الانتقال الى أولى خطوات الديمقراطية "حملة انتخابية لرئاسة جمهورية النفس".


الجمعة، 6 أبريل 2012

بسيكولوجية الإختلاف



كنت قد حاولت الكتابة سابقا عن بسيكولوجية الإتباع التي تبعد مصابها من التفكير المستقل بمنطق غالبا في الأمور التي تحتاج منه ذالك ، أما هذه المرة فقد قررت أن أعرج على الضفة الأخرى من هذه القضية التي ـ بدل أن تحول المتبوع إلى إله ـ تحول المخالف إلى شيطان


ذات مرة في إحدى أنشطة الطلاب التابعة لإحدى النقابات المحسوبة على التيار الإسلامي كان أحد ما يهمس لي بملاحظة مفادها أن هؤلاء حين يحكمون سيحولون هذا البلد إلى عالمين مملين لا حياة فيهما ، عالم للرجال وعالم للنساء ، سوف تحتاج إذنا من حاكم منطقتك لكي تحدث أختك أو أمك ، ثم ستحضر الوثائق اللازمة لتأكيد ذالك وسيعطيك وقتا محدد إن تجاوزته جلدت ، 
نفس الشخص بعد فترة أكد لي أنه حين دخل إحدى الوقفات التي نظمتها نفس النقابة وجد مايشبه إختلاطا وقام فيهم خطيبا أن هذا ليس الإسلام الذي يدعون نسبتهم إليه ، أجبته وقد مللت الإنصات له "على الأقل لن يطبقوا نفس الطريقة التي أدعيت في فصل عالمي الرجال والنساء" ، 

هذا مثال على بسيكوباتية الإختلاف ، أنت تنتقد كل شيء لأنك مختلف ، حتى أنك قد تنتقد النقيضين في نفس الوقت دون أن تشعر بذالك لأن كل ماسيصدر من الذين يخالفونك لن يكون إلا خطأ حتى لو كنت تقوم أنت به عشرات المرات يوميا ، 

بعض المختلفين يتكلفون في إحضار الدليل ويجتهدون على صياغته ويراوغون بشتى الوسائل والغريب أنهم لايشعرون بالذنب مع تلك المراوغة التي يصنفونها جيدا ويفهمونها على حقيقتها بل تشعرهم بالحماس والعظمة ـ قد يفتخر عليك أحدهم أنه راوغ ذات يوم في مسألة إختلاف ـ ، بعضهم أغلق كل نوافذ العقل والدبلوماسية وله بضع كلمات يكررها بأي مناسبة ، حتى لو سألته عن إسمه

في قاموس بسيكوباتيي الإختلاف أسماء يطلقها على مخالفيه هي أقرب إلى تهم جاهزة وشاملة ، أنت تنتمي للفكر الفولاني إذا أنت كذا ، البعض يصم الإسلاميين بلقب "المتأسلمون" مع أنه لم يفكر يوما ـ على مايبدو ـ في معنى الكلمة فهي تبدو لي شبه تكفير أو وصم بالنفاق ، فكلمة المتأسلم حسب فهمي تعني ـ مدعي الإسلام ـ ، بعضهم أيضا يدعوهم "الإسلامويون" شخصيا لم أفهم ماذا تعني هذه الكلمة وماهو الفرق المزعج الذي يفرقها عن "الإسلاميين" لاحظت الفرق "و" و "ي" فقط ،
 هناك أيضا عبارة تخوين جاهزة لبعض الإسلاميين يطلقونها على كل مخالف لهم مهما كانوا هي عبارة ـخبيث ـ ، التي ترد على ألسنة شباب التيار الإسلامي كوسم عار في جبين كل من ينتقدهم أو يختلف معهم .

أرى أن كل تلك الفرق لم توفر جوا صحيا للإختلاف وبالتالي لازال الجنود يشنون حروبهم بعفوية و أسلحة غير مرخصة ولا مقبولة في عالم الفكر دون تدخل او بتدخل غير كافي من القادة المدركين لأنواع الأسلحة المرخصة في ذالك العالم ، وكل هذا يجعل من الإمكان أن تتوقف كل دوائر الفكر في دولتنا من أجل اختلاف بسيط ، كما حصل في صدر التاريخ الإسلامي مع مسألة القرءان التي جعلتالعلماء والفقهاء والسوقة وبنائي الجسور والبيوت ورواد الخمارات والجوامع والشعراء والقادة و الشرطة والخليفة يتعطلون حتى يعرفوا هل القرءان مخلوق أم غير مخلوق ؟ 


بعض عبارات مرضى الإختلاف في النقاشات

ـ موتوا بغيظكم 
ـ من أنتم ؟

تذكر فقط وأنت تقرأ هذه التدوينة أنك لو أنتقدتها بإحدى العبارات الماضية فسأتهمك للأسف أنك مصاب بمرض الإختلاف القهري . 


تذكر أيضا أنك حين


ـ تتعصب دون أي حوار حول أفكارك فأنت مصاب بمرض "الاتباع القهري"
ـ تتعصب في كيل التهم للمختلف فأنت مصاب بمرض "الاختلاف القهري"






الجمعة، 30 مارس 2012

قصة بين مدينتين


في موريتانيا :

أعتاد مجتمعنا في مدينة أنواكشوط يوميا تناول الخبز ـ بالنسبة لأشباه المحظوظين ـ صباحا ثم البدء في حياة الزحمة ، شرطة تجاهد ساعات الضحى الأولى لتنظم قطعان السيارات التي لا تتقن أكثر من مخالفات المرور ، تجار يسارعون ساعات الصباح قبل وفاتها ، تلامذة وطلاب يسابقون افكارهم حول اليوم الجديد ، معلمون عمال وشحاتون يملئون الشوارع ، عمال إدارات لم يجدوا الوقت بعد ليسألوا أنفسهم "هل يحبون هذا العمل " أطباء يتثاءبون بعد ليلة ليلاء ومرضى ينتظرون الفرج من المولى .
 غالبا ما تضع الزحمة رحاها بعد لئي ساعات الهاجرة القليلة لتبدأ بعد الزوال بشكل أخف ، يذهب المتدينون إلى محاضرات المساء ، واللاعبون إلا ملاعب المساء ، والثوار إلى حيث يجتمعون وينسقون أو يختلفون أحيانا في أفكارهم العظيمة ، هناك فسحة للعشاق أيضا في ساحات قليلة أو من أختار الشاطئ في شبه الصيف والشتاء هذا ، تجار ينتظرون الغروب وحراس ليليون يخشون من الغروب ، بائعات السمك ينتظرون ليلة جديدة وخوفا من غد مجهول ، لكن الجميع سيضع ناظره على مخدة وينسى آلام اليوم وأناته ويذهب في نوم عميق

في سوريا



في ليلة هادئة تترقب العيون والأسماع خشية ما يعكر هدوءها أم وأطفال تيتموا بعد يوم سرمدي من الدم والثارات و حاكم حكم بتسعة عشر جهازا أمنيا كأنه سقر يتقلب في غيه كيف شاء له العالم وأمسك عن ردعه أشباه الشرفاء ، يضحك كالحرباء فترى أرواح الشهداء تضفي ظلمة صفراء مرعبة على وجهه ، يزبد كآكل المرار لأن أطفال درعا ودير الزور لم ترتعد من الرعب فرائصهم ، لاشك انها حقيقة مخيفة فلا شيء يخيف الطاغية أكثر من أن لا يخافه الناس .
في ليلة هادئة تترقب العيون والأسماع خشية ما يعكر هدوءها المشوب بترقب مخيف ، كل شيء حصل البارحة سيعاد الليلة ، لكن كلمة "أكشن" لم تنطلق بعد فقط ، مع منتصف الليل تبدأ الحمم وكل ما أنجز العقل العبقري للإنسان من مبيدات للبشر في العمل على قدم وساق ، أولاد الحارة لم يعودوا يلعبون ، لا مدارس والصلاة في الجوامع مخيفة شيئا ما فالمآذن تمطر كل حين بالمدفعية لتسقط على رؤوس المصلين ، لست في حمص الآن لكني على يقين أن الذهاب للحمام ـ فقط ـ صار مخيفا لأن الموت شيء جميل في حمص لكن ليس في الحمام .
صباح مألوف بعطن القنابل وغبار البارود ومجاري الدماء التي أفرزتها ليلة ككل الليالي ، صباح يبعث على الاستغفار لقتلى اليوم الذي قد يكون أي مقيم في حمص  ضحيته ، يدعوا الجميع صباحا لشهداء البارحة بالرحمة وشهداء الأمس و اليوم والغد وكل يوم فما سكان حمص إلا في طابور نحو الأنفاس الأخيرة ،
ضحى في مسيرات ووقفات متفرقة في المدينة تقول أن كل شيء صار ممكنا فمن لم ترعبه الضربات الثلاثة الأولى لن يرعبه بعدها أي شيء وقد تجاوزت حمص في العد آلاف الضربات ، لا يهم الخبز ولا الماء ولا حتى الدماء الجميع يعشق الارتقاء إلا مصاف الشهداء والأنبياء ، لا يهم الشبيحة ، قساة نعم لكنهم أخرجوا من جعابهم آخر قطرة قسوة ممكنة فأتضح أنها مجرد هباء ، لا يهمهم الدهماء ، لا يهم الغداء ولا الغذاء ولا البرد ولا الدواء ولا متى الانتهاء كل هذه الأشياء في قاموس الحمصيين شيء من الماضي فقد حسموا أمرهم و اختصروا القاموس إلى كلمتين فقط "الموت ولا المذلة " ضجت بها حقيقتهم بفصاحة لكننا لم نفهمها حتى صاحت بها الحناجر فيا للغباء .




في حمص ينتشر المساء تناثر الأشلاء التي يعاد شملها بعد درس مريع لكل طاغية في العالم من اللذين لم يفهموا بعد أن هناك فعلا شيء مستحيل لم يطلعوا على استحالته أو يخشون بطبيعتهم النفسية المريضة من الإطلاع عليه ، وهو أن أرقى صاروخ في العالم و أعتى قوة ممكنة لا يمكنها أن تقتل أبسط فكرة حين يحفر لها الإنسان عميقا في قلبه ويبثها بحب إلى الآخرين ،

يأتي الليل وفي حمص كل من عليها فان أو ينتظر الفناء ، يأتي الليلة وفي ظلمته تتوهج الفكرة توهجا يزيغ أبصار الطغاة ، فيعجزوا عن الإطلاع أن أقل فكرة شئنا ستظل أقوى من أعتى سلاح .

الثلاثاء، 27 مارس 2012

بسيكلوجية الإتباع .



دائما مع أحاديث التاكسي التي تفرز كل شيء في أنواكشوط ، وكل التوجهات والأفكار الجميلة والشيطانية والمتوسطة والتافهة والعبقرية والمراوغة والطريفة غالبا ، حقيقة لايمكنني أن أمر بتلك الأفكار إلا وتذكرت هذه المدونة ، تذكرت أن علي أن أبدي ملاحظاتي ،
اليوم ركبت مع شباب يصنفون أنفسهم في مقدمة معجبي الشيخ الجليل محمد الحسن بن الددو ، لست هنا في مقام الحديث عن هذا الشيخ الذي أجله كثيرا ولا أتقن كلمات الإطراء وإلا لصرفتها في حقه فهو أقل شخص سيهتم بها أو سيدفع مقابلا لها ، وذاك ديدني فلست أهوى المدح الذي سيكلف الممدوح تأثرا داخليا ونوعا من الإحساس بالنفس أو مقابلا ماديا ، ،،، دعكم من تلك الدوامة ، نعود إلى حديث التاكسي .

يتحدث إثنان خلفي عن فضل الشيخ وتقاه ، ثم يعرجان إلى غرابة كراماته فقد نزل المطر ببركة دعائه وإستسقائه ، ثم تحدثا عن حديث "إدعوا الله بأفواه لم تعصوه بها" ثم يفسران الحديث أنه يعني دعاء الأتقياء الذين لم يعصوا الله يوما ، هنا تدخلت ناقلا بعض الأشياء ـ القليلة ـ التي ظننتني أعرفها ، فقد سمعت تفسيرا آخر لهذا الحديث ، وبكل المحاولات الممكنة التي أملكها تمكنت أخيرا من الحديث فابديت رأيي ، ثم ذكرتهم أن المطر خاص بسلطة الله ، وطبعا ليس مثلي من يقول ذالك لتلامذة الشيخ ـ فعودتهم سريعة إلى الحق وأحمد ـ أكدوا أنني فقط لم أفهم أسلوبهم وأنهم ماقصدوا مافهمت .

بعيدا عن ذالك الحوار ورد الحديث الذي كنت أستغرب أن جميع الأتباع يظنونه وارد في إمامهم وهو "إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه قال فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض" ،
الغريب هنا أن كل قوم يحبون من هم به معجبون ، ويظنون أن هذا الحديث ورد فيه ، فأتباع الطرق الصوفية على إقتناع تام أن هذا الحديث ورد في أشياخهم ، وأظن معجبي مايكل جاكسون ـ لو كانوا متدينين ، وسمعوا بهذا الحديث ـ لظنوا أنه وارد في مايكل .

يظن المتبع غالبا أن أي نقاش مهما كان هادئا في موضوع يمس المتبع هو مس مباشر من المتبع ولا شك أن أمطار الإتهامات الأولية ستسقط على رأسك بسخاء إن كنت أنت من يتحدث ، بعضهم لايكتفي بالطريقة السلمية والحضارية في الإتباع فتصيبك من صفعة أحيانا أو فردة نعل على وجهك ، فقط ركز حين تنتقد أحدهم على أنك أتخذت خطوة دفاعية لوقاية نفسك ، أنا فقط كنت محظوظا لأن المتبعين أحيانا يستشعرون أخلاق متبوعهم ويقتربون من الودية كما وجدت أتباع ـ الشيخ ـ ، ليس ذالك تعميم أيضا .

أذكر ـ منذ عشر سنوات تقريبا ـ ناقشت في الباص أحد أتباع ـ إحدى الطرق الصوفية ـ ، وقد كنت حينها غلاما مشاغبا ومعجبا ببضع صفحات قرأتها من كتب منوعة ، وظل محاوري يناقش بشكل هادئ حتى فوجئت بنعل على وجهي ، أطرقت فوجدتها سيدة تتطاير شررا ، من أنت حتى تتكلم عن الشيخ بهذه الطريقة ؟! ، بعدها صرت أضع كل الإحتياطات قبل أن اقع تحت إغراء أحد النقاشات التي سأستخدم فيها بضع الصفحات تلك ـ حقيقة أنه إحساس لايقاوم ، أن أدخل في نقاش حينها ـ لكنه كان يكلفني أحيانا صفعة على وجهي ، شتما في بعض الأحيان .

ختاما :


لا أظن أني بحاجة إلى التأكيد والتكرار ، أن كل ماذكر هنا لا يخص الشيخ محمد الحسن ولد الددو من قريب ولا بعيد ، لكن هو محاولة نقد للأتباع سواء أتباعه هو أو أتباع شيوخ آخرين ، فأظن بسيكولوجية الإتباع معقدة شيئا ما وتحتاج لدراسة عميقة وتمحيص ، لأنها أحيانا تحول بين المرء وربه ، وكم أعجبني كتاب الشنقيطي الذي قدم رسالة في "مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ" في كتابه ـ الخلافات السياسية بين الصحابة ـ وأوشكت أن أقول عنه أن الحديث سابق وارد فيه فلقد أحببته ، لكني تذكرت أخيرا أني كنت أنتقد هنا تلك الأحكام ، ربما في تدوينة أخرى .



الاثنين، 12 مارس 2012

السوبر "ياي بوي"




بائعة الشاي قبالة سوق العاصمة التي تنتهز فرصة متعهدي خيام المشوي التي كانت تناقش المجموعة الجالسة بشأن مسيرة المعارضة أكدت أن ذالك يعني أن الحكومة ستوزع قطعا ارضية وان ذالك سيكون فرصة جيدة لها ولمثيلاتها .
كنت أعرف الكثير عن النظام الحاكم من غباء وهدايا يقدمها لقوى التغيير، لكني كنت على قناعة أنه سيغير في كل مرة أو هذه ـ على الأقل ـ بالذات منهجه في التصدي لمسيرة أرقته كثيرا وارتكب أثناء التفاعل معها أشكالا واصنافا من الأخطاء الفادحة ، من قبيل البيانات ذات الأسلوب والمحتوى السوقي التي صدرت من جهات عليا ورسمية في أحد أكبر وأهم الأحزاب الداعمة لنظام الجنرال "عزيز" ، كل شيء مهما كان ركيكا غير مستغرب عندي ، وقد أكدت كثيرا لزملائي في حركة 25 فبراير أننا نقوم بجهد كبير لكن النظام يتحمل عنا الجهد الأكبر بهداياه التي يقدم دائما .

كل شيء ليس مستغربا مني مهما كان ركيكا أو سوقيا لكني أيضا من مبدأ إحترام الخصم كنت كل مرة أتوقع فريقا يجتمع ويقوم بالتخطيط لكل صغيرة وكبيرة قد تحدث وكيفية التعامل معها وكل إحتمالات رد الفعل الناتجة عن أي فعل لإفشال أي تحرك ، نعم فريق من النوع الذي يضع عشرات الهواتف قربه ولديه خبراء في التخطيط وكيفية مواجهة المظاهرات وطبعا يكون قلقا كلما كانت مظاهرة مناهضة وسلمية في آن واحد لأنها تحد من صلاحياته القمعية الممكنة ، نعم صدقوني هذا ما أتوقعه منهم دائما وأخشى أن أترك هذا التوقع وأستهين بخصمي الذي أحرق الأخضر واليابس وقضى على كل جميل في هذا البلد .

لأني أنطلق دائما من نفس التصور الذي يحوي في إحتراما للخصم أن هناك فريقا مدربا بإمتياز على مواجهة الإحتجاجات ، تصورت أن الفريق أجتمع ووضع السؤال الأهم "كيف نوقف المسيرة أو نجعلها فضيحة من حيث الجمع ؟ " ، أتصور أيضا تدخلات من نوع : "تركز المعارضة في تعبئتها على .... " "فرضية عدم الترخيص ، " ، أو أشياء منطقية من تلك الفرضيات التي تبنى عليها خطط المواجهة لكن الطريف أن فريق المخططين حتى لو كان جمع كل الفرضيات وكان ذكيا خلف الكواليس خرج لنا بحل نكتة حق لها أن تحتل نكتة الموسم ، لقد افترض هذا النظام ان كل المشاكل الموجودة في هذا الوطن لديها حل واحد وهو "ياي بوي" ، أن كل المظاهرات التي لاتقمع بأدوات القمع الأصلية يمكن أن تقمع بـ "ياي بوي" .

تصوروا معي كم هو مضحك أن تعمل دوائر الدولة وتسخر لأيام من أجل وضع خطة أمنية لثني الشعب عن التظاهر ثم لايجد هذا الفريق ـ المضحك ـ من الخطط إلا توزيع "ياي بوي" ، إنه السلاح الخفي الذي أفرزته عبقرية هؤلاء إثر تقييمهم لشعبهم ، إنه السلاح الخارق الذي أعتمدوا عليه في إفشال مسيرة المنسقية التي تميزت بحضور وافر من الناس التي لاتنتمي سياسيا لأي حزب من الأحزاب المنظمة للمسيرة ، بل هو شعب تألم كثيرا ويبحث عن بصيص أمل يخلصه من سياسات التجويع المتلاحقة عليه ، لكل ذالك أستخدموا السلاح الفتاك "السوبر ياي بوي"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ياي بوي : نوع رديء من السمك يقوم نظام الجنرال بتقسيمه على الفقراء لثنيهم عن المشاركة في المسيرات أو الأنشطة المناهضة له .

الأربعاء، 29 فبراير 2012

الظلم والأمن






أظن الكثير من الموريتانيين اليوم يخافون شبح الانفلات الأمني والحروب العرقية والطائفية التي تنتظرها دائما الدول التي تتميز بالهشاشة السياسية والعلمية ، أو توهم أنظمتها المواطنين بذالك الشبح المخيف الذي قد يفد إليهم في أي وقت إذا ما سقطوا أو فقدوا السيطرة ،
هكذا ببساطة يروجون " نعم نحن مفسدون وجاهلون وأغبياء ونحكمكم كالدواب ، ونتلاعب بمقدراتكم وننهب ثرواتكم لكن نسيطر على الأمن ونحافظ عليه ، فلكم أن تختاروا بين الهوان والذلة والتخلف أو الفوضى العارمة التي تخطف كل نفس فيكم ".
في التاكسي وفي الشارع والسوق والجامعة والمدارس والأحياء يروجون هذه الخديعة " نعم تونس ومصر قامت بثورة وتحررت لكننا لسنا كتونس و مصر " ، وحين تسأل ما الفرق ؟ يقولون لك ليس فيهم أعراق مع العلم أن في كلا الدولتين أعراقا وأديانا مختلفة ، ورغم أن نفس الدعاية استعملت في مصر لكنها أعيد تدويرها هنا مع مجموعة من الأحداث التي تتابعت لتؤكد أن هناك خيارين فقط إما القبول بالفساد والنهب أو التعرض للفوضى وكأن هؤلاء المفسدين هم من كان يسيطر على الأمن منذ انتشاء الخليقة ،، عجبا .

لقد غاب الأمن عن موريتانيا ليومين دون أن تسجل أية أحداث عرقية عام 2003 ، فما الجديد ؟ ،

الجديد حسب رأيي أن النظام موقن من اقتراب اللحظة "التاريخية" ويلعب على الوتر الحساس ، ويقنع الكثيرين بأكاذيبه وللأسف الشديد لا يدرك هؤلاء أن استمرار الظلم هو الكارثة الأمنية الحقيقية التي سيدفع ثمنها من ليس له ناقة ولا جمل في أي شيء .

والآن أرجوكم جميعا استعراض الخريطة الذهنية ولتحاولوا معي السفر بخيالكم بقدر من التعقل لما يمكن أن يحصل في الحالتين ، فقد سبق وفعلتها ذات تأمل وبحث تصاحبه كميات من الآدرينالين وأتيت بالتصورات التالية ـ التي لا أقترح على أحد تبنيها بقدر ما أقترح عليه البحث في داخله والتفكير العميق عله يصل إلى نتائج أكثر دقة قبل فوات الأوان ـ :

1 ـ سأفترض أن الأمور استمرت على ما هي عليه :
ـ رئيس متسلط ومتحكم في كل شيء وغير مؤهل علميا
ـ طاقم وزاري أشبه بأجهزة تشغل بالريمونت كونترول التي بيد الرئيس
ـ منظومة فساد تزيد الخناق على مقدرات البلد
ـ غياب تام في العدالة الاجتماعية بين الفئات ـ وهذه النقطة هي الأهم ـ ،
ـ إثارة النعرات العرقية بين طوائف الشعب في أكثر من مناسبة وضرب بعضهم ببعض
ـ استمرار المعاناة الاقتصادية للبلد وانتشار الفقر وتفشي الأمراض والجرائم وتحلل المجتمع والتجهيل
ـ استمرار تفحش الطبقة الفاسدة في الثراء وأساليب الفساد و استعباد خلق الله

مع استمرار هذا الواقع ليس أمامنا سوى حالتين :

1 ـ الاقتناع بدعاوى الفوضى والاستمرار بدفن رؤوسنا في الرمل ـ كالنعام ـ ومع كل سنة تمر يكون وقت التفكير في أي عمل حضاري صار أصعب ، ولاشك أن هناك يوم الانفجار العظيم لأن الناس تحت الظلم لا يمكن توقع أين ولا متى سينفجرون ، ولن تكون بالمذبحة العادية بل ستكون بين الأعراق أكثر من أي وقت مضى ولن تكون هناك أي أسس أو أرضية ممكنة للتوقف ، سيكون الأمل في العودة بات أقرب إلى المستحيل ، ستحاول منظومة الفساد تدارك ما يمكن تداركه لكنها مع أو إحساس بالفشل ستجمع حقائبها وأرصدتها وتترككم تحترقون لأن تاريخ صلاحية نهبكم قد انتهت و لا يريدون الموت معكم ـ كم يرعبني هذا الخيار ـ

2 ـ أن نقول للظلم كفى بكل الوسائل السلمية والحضارية وبأسرع وقت ممكن لأننا نلعب الآن في الوقت بدل الضائع ، نقف بالمقاومة السلمية لهذا النظام المريض الذي حكمنا لأكثر من 30 عاما ونوقفه عند حده ونعجل في نهايته ، ستكون مسؤولية كبيرة وتدارك مقنع للأخطاء وإصلاحا لذات البين وبناء دولة على أسس من العدالة الحقيقية والقانون المطبق على كل فرد مهما كانت مسؤوليته .

في الفقرة الأخيرة كنت أرى الحديث هكذا نوعا من التسلية لكنني الآن موقن أنه هو المفر الوحيد من جحيم الظلم و انعدام الأمن معا ،

وهنا أختم أنني لا ألزم أحدا بتسلسل الأفكار الماضي لأنه يخصني ، لكنني على عتبة اليقين بشيء أكثر منطقية بالنسبة (حيث يكون الظلم سيكون هناك انعدام في الأمن ، وكلما أستمر الظلم في الاستفحال صارت عودة الأمور إلى مجاريها أصعب ) فبربكم أنقذوا موريتانيا وأنقذوا أنفسكم .

الاثنين، 27 فبراير 2012

المخترع الأعظم في القرن العشرين



في الليلة التي تسبق 25 فبراير كنت مصابا بأرقي العادي حين أستشعر المسؤولية التي تقع على كاهلي صباح اليوم التالي ـ لاشك أن بعضكم يحدث معه نفس الشيء ـ مما جعلني أبحث في البرامج الوثائقية التي صرت مولعا بتحميلها ، طبعا لم يكن ليستوقفني من بينها تلك التي تتعلق بسيرة حياة الديناصورات التي قضت ـ حسب مايخبرنا به خبراؤها ـ قبل وجود الإنسان ، فتجاوزت ذالك الخيار ، سلسلة تاريخ روما ـ لا ، ليس هذه الليلة ـ ، أستوقفتني مجموعة من الأفلام الوثائقية والسينمائية بتصرف يوفرها موقع أكاديمية التغيير الرائدة ، وبشكل خاص فيلمان "القلعة الأخيرة" والذي يتحدث عن الجنرال المسجون في السجن العسكري والذي يقود حربا بأسلحة بدائية ليهزم أسلحة متطورة كالآباتشي والقناصة ،
والثاني وهو موضوعي هنا هو عن حياة شخص لم أعرف عنه الكثير إلا في الفترة الأخيرة أي بعد إلتحاقي بحركة 25 فبراير منذ إنشائها في أغسطس 2011 ، شخص سمعت عنه الكثير لكنه كان دائما مادة تسلية أستمتع بقصته كما أستمتع بأي قصة أخرى ، لكن الآونة الأخيرة جعلتني أركز معه ، مع طرقه وحيثيات فكره ، إنه الماهنداس غاندي الذي دعي فيما بعد "بالمهاتما" أو الروح العظيمة .

غاندي هو أحد المخترعين الذين لم يلاحظ الكثيرون إختراعه العبقري الذي ولد قبل ميلاد القنبلة النووية بسنوات قليلة ، ورغم ان القنبلة النووية وهي أكثر سلاح عنيف قوة ورعبا إلا أن سلاح غاندي اللاعنيف كان أكثر أثرا على خريطة العالم ، قتلت القنبلة النووية نصف مليون شخص تقريبا وأنهت الحرب العالمية الثانية ، لكن سلاح غاندي خلص مليارات البشر من الظلم والديكتاتورية والميز العنصري ، إنه سلاح ليس من السهل على أي شخص إختراعه وليس من السهل تطبيقه لكنه مضمون النتائج للذين يطبقونه بشكل صحيح ، ولكي نفهم الرجل علينا أن نفهم سلاحه ، إنه حرب للاعنف ـ معم ، لقد قرأتها بشكل صحيح ، أعد قرائتها من جديد ـ إنه سلاح غاندي "حرب للاعنف" .

لم أكن في أول الأمر أفهم غاندي كالكثيرين ، حين ظننت أن ماقام به أقرب إلى طقوس دينية هندية ، لكن النظرة سرعان ماتغيرت حين بحثت أكثر في شخصيته وكيف أستطاع تنفيذ فكرته أول مرة في جنوب إفريقيا ، لقد بدأ بنقطة غاية في البساطة والقرب ، وهي أن هناك قانونا ظالما يمارس على الهنود في جنوب إفريقيا رغم أنهم مواطنون في المملكة البريطانية التي تصل حينها أرجاءا كبيرة من المعمورة ، كانت كل الخيارات حينها إثنان :

ـ إما ردة الفعل العنيفة على الظلم وهو الذي كان يزيد دائما من العنف ويعامل اللاجئون إليه معاملة قاسية في المحاكم دون أن يتعاطف معهم أحد أو يتفهم احد أسبابهم في ردة الفعل العنيف .

أو

ـ الإستسلام التام لتلك القوانين مما يجعلها سارية على الجميع ،

أما هو فقد أخترع أمرا ثالثا وهو :

ـ معارضة تلك القوانين ومخالفتها دائما دون إحداث عنف ، وهو شيء رأى فيه غاندي مقاومة للظلم دون أن تكون مربكة للناس العاديين ولاتحتاج لنخبة أقوياء مدربة ، ويمكن للجميع ان يكون جنديا فيها والأغرب أن العدو سيكون حائرا بين محاربتك وعدمها ، لكن غاندي كان مقتنعا أن حرب للاعنف تحتاج أن يحاربك عدوك ، بل كان مقتنعا أنه سيحارب لأنه يدافع عن أشياء واهية وسهلة السقوط تحتاج فقط أن يقاوم الجميع ، ولايمكن للجميع أن يقاوم بعنف ، لذالك كان يكرر كلمته الشهيرة "لاتكرهوا البريطانيين ، لأنهم لم يأخذوا الهند منكم ، أنتم من أعطاهم الهند" .

بعد أن بدأت فكرته تنتشر في جنوب إفريقيا قرر البريطانيون إعادته إلى الهند وذهل من إستجابة الناس مع نضاله اللاعنيف في جنوب إفريقيا ومن أسلوبه وفوجئ بالآلاف ينتظرونه ، بدأ بالتنسيق مع القيادات الهندية أولا ثم أعتزل الجميع لأنه كان بحاجة لأن يطور في أساليبه ويضع إستراتيجية يبني عليها مقاومته التي أزالت العرش البريطاني نهائيا عن الهند ،

أستحضر القوانين الظالمة التي تكبل الهنود في وطنهم وأطلق ماسماه بعدم التعاون وما صار يسمى بعد ذالك بالعصيان المدني ، ثم بدأ خطته في إختراق كل القوانين الظالمة وبدأت بخرق قانون الملح حيث قام بمسيرة ألتحق بها الآلاف إلى الشاطئ ليصنع الملح المحرم على الهنود والمحتكر من قبل شرائك بريطانية ، تلك المسيرة التي كان طول مسافتها 200 ميل على الأقدام والتي سخر منها البريطانيون كانت بداية نهاية السيطرة البريطانية على الهند إلى الأبد ، كان غاندي يعبر عن نفسه أنه كأي مقاتل في حرب مستعد لأن يموت من أجل قضيته وكذالك كل مشارك في حرب للاعنف لأنها ليست نزهة كما يبدو للبعض من من لم يفهم أساليب الرجل ،
كان من بين السخرية التي أطلقها البريطانيون حينها على مسيرته أن " حكم العرش البريطاني للهند لايمكن أن يسقطه غلي الماء الماء المالح " ، الغريب أنها نكتة مضحكة إلى أبعد الحدود وكنت لأكون أول مصدق لها لو أني لم أولد بعد إسقاط العرش البريطاني عن الهند بسبب غلي الماء المالح على الشواطئ ، وهنا تحولت النكتة إلى سخرية عارمة لكن الذين ضحكوا منها أستغربوا أن غاندي قد أغضب الحكومة البريطانية كثيرا بسبب غلي الماء ، إذا فالعرش البريطاني في الهند في خطر ،،
في الخطوة الثانية طالب جميع الهنود عدم التعامل مع الحكومة البريطانية مبررا قوله ، أن 100 ألف جندي بريطاني لايمكنهم السيطرة على 300 مليون هندي إذا لم يتعاملوا معهم وستتحول الهند من بلد يمكن قهره إلى بلد مرهق ومتعب للخزينة البريطيانية ، وطبعا حصل ذالك فقد أغلقت عشرات الشرائك ومئات المحال وأحس البريطانيون بعد 12 سنة من مقاومة غاندي أن الحياة لم تعد تطاق في الهند ، رغم أن المقاومة المسلحة سبقت غاندي بعقود وأستمرت في زمنه لكنها لم تحقق ما حقق هو في سنوات قليلة ولم تحصل على الزخم الذي حصل هو عليه بسلاحه المعجز هذا ،

أما بعد موت غاندي فقد عبر سلاحه القارات ليقضي على الظلم بأقل الخسائر وبأروع الصور وأنقاها ، فقط أسقط الممارسات العنصرية على السود في الولايات المتحدة بسبب إستعمال ذالك السلاح من قبل أشخاص مثل مارتين لوثر كينغ ، الذي قلد غاندي في مسيرة الملح ، وقام بالمشاركة في مسيرة واشنطن للحقوق المدنية سنة 63 لتحصل النتيجة منها في العام الموالي حيث وقع عام 64 على وثيقة الحقوق المدنية وعلى مر القرن العشرين طور النشطاء المطالبين بالعدالة وإزالة الظلم في أوطانهم إستراتيجية غاندي ليتضح أنها ليست سخيفة وضربا من الخيال كما كانت توصف مع بداية نشأتها ، لقد أثبتت إستيراتيجية غاندي أنها أحسن من كل القنابل والأسلحة الموجودة في العالم في إسقاط الدكتاتوريات ، فبعد أن يئست قوات الناتو والولايات المتحدة الأمريكية من إسقاط الديكتاتور "ميلوزوفيش" بكل القوة الممكنة لهما أسقطته حفنة من الشباب أسست حركة أوتبور وانتهجت أساليب حرب للاعنف ليسقط كالثمرة المتعفنة تحت أقدام الثوار السلميين وأسقطت قوة الشعب النظام الديكتاتوري بقوة اللاعنف في الفيلبين ، وكذالك اتشيلي وإيران وجورجيا ومصر وتونس واليمن وسوريا أوشك النظام على السقوط بالقوة السلمية ، الكثير من البلدان تغير واقعها وأسقطت أصنامها والفضل في ذالك يعود إلى ذالك الإختراع العظيم والذي ستمر الأجيال دون أن تعي أنه إختراع أعظم من نظرية النسبية لآنيشتاين ومن إختراع آديسون "الكهرباء" .