‏إظهار الرسائل ذات التسميات بوح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بوح. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 28 نوفمبر 2014

28 نوفمبر : بين أن نصنع الحلم أو أن نعيش الوهم .

#موجبو_نوفمبر


إن ذكرى الاستقلال لا تجعلنا نحتفل بما نحن عليه من فساد وتسيب وانعدام للحقوق وزبونية وأنظمة عسكرية غير شرعية تفصل ديمقراطية مشوهة على مقاسات شخصية وضيقة، 
لا نظن أن أي موريتاني موضوعي ووطني يحب وطنه وينشد له الازدهار والرخاء والحرية والعدالة يمكن أن يحتفل بما نحن عليه من حالات فساد واحتقار للمواطنين في الإدارات وفي مصالح الخدمات العمومية (صحية وتعليمية وإدارية). 
لا يمكن أن نحتفل ونحن نعي مشاكل العمال الموريتانيين منتهكي الحقوق في الشركات متعددة الجنسية وحتى الشركات الموريتانية ولدينا اليوم أمثلة واضحة من هذه الانتهاكات رغم أن كل الأمثلة واضحة وبينة ، فهناك عشرات العمال المرابطين على مدخل نواكشوط ممنوعين من الدخول في المدينة ليقدموا رسالتهم الاحتجاجية على ما يعانونه في قطاعهم من حيف وظلم ، 
هل يمكن أن نحتفل حقا باستقلال موريتانيا ومئات آلاف المواطنين في نواكشوط يعانون من سوء خدمات السكن والتعليم والصحة في قطاعات المساكن العشوائي الذي تحولت جوانب كثيرة من خطة اسكانهم في قطاعات منظمة إلى مصادرة الإنتهازيين من ذوي رؤوس الأموال الضخمة المدعومين من قبل النظام لأراضيهم ومحال سكنهم (قندهار ولمغيطي على سبيل المثال لا الحضر)
هل يمكن الاحتفال بالاستقلال عن فرنسا وهي التي تضع يدها بشكل كامل على كل التفاصيل المتعلقة بالسياسة المحلية لبلادنا بدءا بالتخطيط للانقلابات مرورا بتبديل البيادق الحاكمة

قد يذكرنا عيد الاستقلال الوطني بمعاني المقاومة ورفض الظلم والانتصار من بعده للحق والعدل ، قد يذكرنا بإنصاف المظلومين وإرساء دولة العدل والخروج من الوصاية الفرنسية ، والفرق بين أن نعيش حلما وأن نحلم بعيش واقع هو فارق كبير .. فحاولوا أن تحلموا باستقلال حقيقي لا أن تعيشوا حلما مزيفا .  


الثلاثاء، 23 سبتمبر 2014

فيلم نواكشوط أم فيلم تمبكتو



لو لم نكن في نواكشوط البارحة ... لو تم العرض في أي مكان آخر خارج #موريتانيا فحينها لن تشاهد إلا فيلما واحدا كان مبرمجا أن يعرض ، أما وقد هم المشرفون على الفيلم أن يعرضوه في انواكشوط فقد أضاف هذا أبعادا أخرى قد تتجاوز في مضامينها التراجيدية ما قد يقدمه فيلمنا من التراجيديا التي هي موضوعه الأصلي ..
لقد شعر الفيلم نفسه بالغيرة مما قدمته مدينة انواكشوط لزوار دار العرض من خدمات تراجيدية توفرت قبل العرض وأثناءه وقضت عليه قبل أن ينتهي ..
 فهناك ذلك الفيلم التراجيدي المريع الذي لا ينتهي عن وسط العاصمة "كابيتال" في أي ساعة أو دقيقة من السنة وهو الناموس ، لقد ساهم الناموس قبل العرض بدور عظيم في تتفيه ما قد يقدمه الفيلم من الآلام ، فقد هاجمتنا كتائب خاصة جدا من ناموس النخبة في انواكشوط قبل عرض الفيلم وأثناءه.
ليس الناموس هو الوجه التراجيدي الوحيد الذي قد ينغص الإحساس بعمق الآلام التي وضع فيها فنان مخضرم ومخرج عالمي كل تركيزه في إيداعها الفيلمَ في محاولة لرصد إحدى أكثر الكوارث الإقليمية ألما خلال العشرين عاما الماضية ، فقطع التيار الكهربائي المتصل الذي أمعن القاطعون في قطعه مباشرة بعد أن "تيترنا" أبو بدر في إحدى قصصه الخيالية أننا سنصير عما قريب من الدول المصدرة للطاقة وأننا سنضمن ـ قطعا ـ تصدير الطاقة "الفائضة" عن حاجتنا إلى جيراننا ، ثم طالعتنا وسائل الإعلام بعد هذا التصريح بأيام قليلة بخبر اتفاق بموجبه تصدر موريتانيا كمية معتبرة من الطاقة لجارتنا السينغال ، لقد كان هذا منذ سنوات قليلة وصارت قصة تصدير الطاقة رمزا للتندر بعد الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي. لم تترك مدينة نواكشوط مناسبة عرض فيلم تمبكتو تفوت دون أن تجهز إضافة إلى الناموس أعمق أبعاد الرعب والتراجيديا على أجواء صالة العرض وهي انقطاع التيار الكهربائي لعدة دقائق،

هناك نكتة قديمة  اشتهر بها التلفزيون النظامي وصاحبته على مدى عمره حتى اليوم وهي عبارة "خلل بسيط"، تلك العبارة يا أعزائي كانت لقطة النهاية التي قضت على فيلم تمبكتو قبل اكتماله وكأنها تقول له ـ مانك حاكي شي ـ وأبقت فيلم انواكشوط المستمر على منواله الغرائبي الجامع بين الطرافة والرعب والمأساة .

الأربعاء، 27 أغسطس 2014

"الموت" و "القتل"



رقص فؤادي طربا حين سمعت قصيدة الشاعر الفلسطيني الجميل تميم البرغوثي، ذات المطلع : "كفوا لسان المراثي إنها ترف=عن سائر الموت هذا الموت يختلف" ،
 حدث هذا منذ اليوم الأول الذي سمعت فيه هذه القصيدة يوم إلقاءها المباشر في مسابقة أمير الشعراء في النسخة الأولى والأكثر تميزا ــ برأيي ــ  

ولا زال هذا حالي مع هذه القصيدة الراقصة بين زوايا وحواف دواوين القضية،
غير أن لدي بعض الملاحظات المتأخرة عليها، وبالتحديد على الاستخدام الدلالي لعبارة "الموت" في قصيدة تتحدث عن الاعتداء والقتل ثم المقاومة ، أي نقيض الموت.

حسب رأيي فالموت يحمل دلالة رمزية أبعد من الموت البيولوجي ، فالموت ذا دلالة مناقضة لجوهر وروح الحياة " غياب الطموح ، غياب الأمل ، غياب الزهور ، تردي الفنون، تردي العلوم ، تردي الانتاج ، رواج الظلم ، استبداد الاستبداد " وليس بالضرورة الحياة البيولوجية نفسها، بينما القتل يعني بالتحديد سلب الحياة البيولوجية من كائن أو مجموعة كائنات وقد يكون مناقضا للموت ـ
وفي سياقنا هذا - أي سياق المقاومة - على الأرجح هما متناقضان تماما،
 فبعد "القتل" والهدم تولد روح المقاومة والابداع ويبزغ جوهر الحياة وتنضج ثمرة المقاومة المنافية تماما .... للموت ، وفي بداية كل ذلك يموت الموت مع أول صوت مقاوم ، 
لذلك يا تميم :

"كفوا لسان المراثي إنها ترف = عن سائر "القتل" هذا القتل يختلف"


وأنت حر أولا وأخيرا - كما تعلم - J !،  
ثم حتى رغم إصرارك على هذه "الموت" يا تميم، اطمئن فلازال فؤادي يرقص طربا من قصيدتك  . 

الجمعة، 8 نوفمبر 2013

سأصوت للشهيد لمين مانغان//je vote pour el'chehid lamin mangan



حملة : هذا يمثلني 



لأنني عرفت السياسة والسياسيين عن قرب متوسط ولامست أغلب اطروحاتهم وخبرت تفسيراتهم الرخوية لقاعدتهم الرئيسية "فن الممكن"، فأجدني مرورا بكل ذلك أعاف الاختيار بينهم في انتخابات برلمانية وبلدية كان ديدنها ومازال أن يفوز الحزب الذي ينشئه العسكر بالأغلبية الساحقة التي تسمح له بتمرير كل الاتفاقيات المضرة - جذريا- باقتصاد البلد ومقدراته، فيما توضع فيه أصوات معارضة ضئيلة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تغير من الواقع شيئا - داخليا أو خارجيا - وإنما وضعت كرتوش مساعدة في تلبيس الدكتاتورية الجوهرية لهذا النظام وإلباسها بثوب ديمقراطي لمجموعة أسباب -لم تقنعني شخصيا-.
هذا الحزب -الفائز بالضرورة - مكون من كائنات فضائية إذا ما تعلق الأمر باهتمامهم بحقوق المواطنين وتمثيلهم في منبر الشعب لأن ولاءهم - ولا ألومهم- للجهة التي ضمنت وتضمن لهم النجاح والعبور إلى مبنى البرلمان كل مرة - طبعا لا أقصد بتلك الجهة الشعب - ليحظوا بامتيازات تزداد رقعتها زمنيا مع تناقص امتيازات المواطن الأصلية البسيطة من ماء وكهرباء وصحة وتعليم .

لأجل ما سبق أجدني زاهدا في التعبير عن صوتي في انتخابات لا يمثل فيها صوتي أو أي صوت لأي مواطن تأثيرا، لأن أوراق البرامج الانتخابية التي يكتبها ذوو الخيال الخصب في وصف أرض الميعاد مل الناس قراءتها والاستماع إلى الشروح والشروخ اللفظية التي تصاحبها .... كل ذلك لم يحدث تغييرا ولن يحدثه .

لأجل ما سبق قررت أن يمثلني في أي انتخابات تنظم في بلدي في ظل حكم العسكر أحد ضحاياه ، نعم أريد أن ارفع عقيرتي باسمه وأن أوقع هذه الورقة بإعطائي صوتي له بكامل تركيزي ووعيي .
لأجل ما سبق قررت أن أصوت للشهيد لمين مانغان الشاب ذي 19 عاما الذي لقي حتفه في مدينة مقامة اثر استخدام الدرك للقوة المميتة مع مجموعة من المتظاهرين من أبناء بلدي ضد احصاء ذي طابع عنصري، كانوا مجموعة فتيان ذووا مطالب بسيطة ينشطون في مجال المطالبة بالمساواة بين جميع الموريتانيين فقرر دركي يعي جيدا أن نظام الحكم سيحميه لو قام بأي حماقة أن يداعب سلاحه القاتل ويضغط على الزناد ، رصاصة ثقبت أفئدة عائلة الفتى حتى اليوم لأن جلاده لا زال مفلتا من أصابع العدالة المشلولة في موريتانيا إلا عن الضعفاء الذين تعرف كيف تبطش بهم  .
أي بلد أوجد فيه ؟!
وأي عدالة تلك التي يقيس مقاسها خياط البذلة العسكرية؟!
وأي ديمقراطية تلك التي نعرف عن يقين أي كائنات فضائية سيحرزون الفوز فيها بأغلبية ساحقة ؟!

ألعن تلك العدالة ، ولا تمثلني تلك الانتخابات ولا ما ستفرزه ، وهذا النظام العسكري ديمقراطيته المسخرة لا تمثلني،  أنت أيها الشهيد الذي كُتمت أنفاسه ذات مساء في مقامة، حين كان دركي يلعب بسلاحه القاتل مع شعب أعزل يتظاهر من أجل حقوقه، أنت هو من تمثلني ـ لذلك سأصوت لك ـ . 

الاثنين، 7 أكتوبر 2013

أنقذني يا مانديلا



سلواي الوحيدة في هذا الجو المائل إلى الكآبة هو كتاب العظيم "ماديبا" وطريقه الطويل نحو الحرية ،،
 تتساقط بعض تشكيلات المعارضة كأوراق الخريف عن دورها في تأطير الجماهير وبناء أسس نظرية وفعلية للديمقراطية الحقيقية بل قد تستبدل ذلك بالمشاركة في ترسيخ هذا الواقع والاستناد إلى آلياته والعمل من خلال أخلاقياته ،
لكي أعود إلى "ماديبا" لأسمع منه كيف كان يكافح داخل حزب المؤتمر الإفريقي بإصرار على تجذير موقفه بالنضال الفوق دستوري ضد حكومة الحزب الوطني الأفريكانية العنصرية كحل وحيد في مواجهة القوانين الظالمة وقواعد اللعبة المائلة  وكيف كانت دعاواه وأفكاره تلقى معارضة داخلية ممن يفضلون المكاسب الآنية أو يخافون على مراتبهم التي أخذوها كثمن لنضالهم السابق .

حين أجالس الأقارب لا أسمع غالبا إلا أحاديث مليئة بالحديث عن المصالح القبلية والمصالح الشخصية الضارة بالمصالح العامة وفي ذاك الجو العفن من الشوفينية ونظرة المصلحة الخاصة التي تجعل عندك درجة من العدائية الجاهزة للذين لا ينتمون لنفس المجموعة القبلية ، أعود إلى ماديبا لأعرف أنه كان ابنا بالتبني لملك قبيلته وأنه هرب من ذلك الواقع إلى جوهانسبرغ ليواجه الحياة هناك لوحده ويتخلص من كل الأفكار المسبقة التي فرضتها ثقافة قبيلته المتعالية على القبائل الأخرى والتي ترى مصلحتها بمعزل عن مصالح بقية الأفارقة ، أجده احتك بالعمال من مختلف القبائل وعايشوا نفس المشاكل العنصرية ونفس الظلم دون تمييز على أساس قبلي ،

حين أجالس رفاق النضال في حركة 25 فبراير أو أصدقائي الذين يحملون معي نفس الأفكار حول الوطن ويدور الحديث حول المستجدات وتتنزل الأفكار حول التصرفات والأنشطة اللازمة لمتابعة مسيرة المقاومة مبرزة في طياتها الصعوبات التي ستواجهنا بلا شك أتذكر كيف كان المحامي ماديبا يتوقف عند عشرات نقاط التفتيش وهو ذاهب لأداء عمله في المحكمة وكيف منع من لقاء الرفاق بسبب حملة التحدي التي تنادى لها الأفارقة تحديا للقوانين العنصرية التي فرضها نظام الحزب الوطني الجديد وأتوحد معه في تخيل للعامين الذين قضاهما تحت الاقامة الجبرية ممنوعا من مزاولة عمله النضالي داخل الحزب رغم ذلك وجد طريقه في التلاقي بهم واستمرت حملات الحزب المقاومة .

هنا وبالتحديد عند الصفحة 159 توقفت قراءتي لهذه الليلة وأنا أشعر معها بالكثير من العبء والحنق حول المشاكل الإثنية وغياب الدولة وتلاعب عساكر من أحقر ما يمكن أن يكون عليه عسكري في المستوى التعليمي والأخلاقي والشعور بالهم العام،
واقع عسكري يخوض بامتياز لعبة إلباس شرعية ناعمة على تلك الأحذية الخشنة التي ما فتئت تجد سياسيين يلعقونها ويلمعونها بحجج من قبيل "القبول بالأمر الواقع" ، وفي ظل النهب الكبير والممنهج مع النسخ الأخيرة من العسكر الذين يمتازون بأعلى درجات الطمع وحب التحصيل وفي ظل شباب تائه بين انتماءات تقليدية تجند عقولهم بعقليات القطيع وشباب ممسك بطرف خيط فكري أيديولوجي لم تستطع حدود الأيديولوجيا أن تمنعه أن يكون مرتهنا لاملاءات الواقع الفاسد والقبلي.
وأشباه شباب آخرين رضعوا الطمع والنفاق والتطبيل من أثداء آباءهم أو أشياخهم من أبناء مدارس التطبيل العريقة من احمدواهيين أو من سبقوهم أو من يبتكرون في عمى الطمع أنواع التطبيل والتضليل لهذا الشعب المسكين.

لكن صبرا! فأنا أعرف كم عانيت يا مديبا من ظروف أقسى ولا شك أن صفحات أخرى قادمة ستنتشلني من هذا الاحساس وسترطب وقع غدر السياسيين وواقع تفكير القبليين ، مقتنع أنا بطريقك حتى آخر العمر ومقتنع بطريق أساتذتك العظام كغاندي ونيهرو أو الذين عاصروك كمارتن ومالكولم أو من ساروا على طريقك من الأحرار ، قد تكون طريقا طويلة تأخذ عشرات السنين لكنها قدر ومصير وربما أشترك معك ذات يوم في نظرة لشروق الشمس الساحر كرجل ريفي يعود إلى كوخه محملا بالأشواق والحب .. 

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

السحر الخفي للسينما



بعيدا عن الحديث حول الانتخابات والمشاركة والمقاطعة و المطر ومجاري الصرف الصحي والحالة الكارثية التي نعيش رحاها، قررت هذه المرة أن لا أكتب في السياسة وتشعباتها والتيه الجذري الذي يضرب في الصميم الأسس والمفاهيم قبل التفاصيل، قررت هذه المرة أن أشارككم جوانب خاصة تثير اهتمامي من الفن السابع الذي أتابعه وأعشقه ... فقط تابعوا رجاءا !.

تقع هوليوود على رأس القمة على قائمة الإبداع في مجال الفن السابع، وفي هذا السياق أريد أن أشارككم في كشف السحر الحقيقي المستتر الذي يجعل قلوبنا ومشاعرنا شديدة التأثر لقصة فيلم مثل Titanic ،
السحر الذي يجعل مشاعرنا تتكسر بين المشاهد وتلتئم محاولة الحفاظ على الزمن في نقطة تجمع فيها شتات اللقطات في ترقب عميق .
لكل قصة خام تأثير خفيف ويزداد ذلك التأثير مع تحسينات من قبيل الأسلوب الذي  صيغت به أو بقوة أداء من يتقمصها، كل تلك المؤثرات تنتظم في إطار التحسينات التي تدخل على أي قصة بالإضافة لتأثيرها الذاتي وبلاغة التصوير الشاعري لها، لكن السينما أضفت الكثير من التحسينات ورفعت كفاءة القصة لدرجة قد توصل دفق التأثر لدرجة الانسجام الكامل والارتباط النفسي الذي يصل أحيانا للارتباط الوجداني العميق مع أحداث القصة ، على رأس هذه التحسينات والأكثر كفاءة على الإطلاق بالنسبة لي هو الموسيقى التصويرية ، سحر السينما .
طبعا يحتاج سحر السينما إلى موهبة خاصة من فنان يتقن ترجمة اللحظات الدرامية على شكل نغمات تضيف بعدا هاما لنجاح التجسيد السينمائي للقصص ،
ويلفت انتباهي في هذا السياق روعة وإبداع الأفلام الصامتة التي نال أحدها " The artist " عدة جوائز أوسكار لعام 2010 ، ففي الأفلام الصامتة يرتكز التعبير الدرامي على الموسيقى التصويرية التي تنقل الصورة من مجرد حركات شكلية إلى تعبير درامي شاعري عميق يختزل كل رسائل المشهد في رسالة موسيقية إيحائية قادرة على إدخالك في الجو العام سواء كان حزنا أو فكاهة أو فرحا ،
والطريف فيما يميز الأفلام الصامتة عن الأفلام السينمائية العادية التي تمزج بين الحوار المسموع والرسالة الموسيقية، أن الصامتة توصل لك بفضل الموسيقى التصويرية بأمانة الصورة الدرامية مع إلغاءها عناء التركيز على عبارات الحوار المسموع، فهي من هذا المفهوم تقوم بتحرير خيالك بوضعك في السياق العام للمشهد تاركة لك حرية رسم العبارات البنيوية للحوار في مخيلتك و بتعب ذهني أقل نظرا لغياب الارتباط الذهني بنص حواري جامد ـ حسب رأيي ـ .
ولأن الموسيقى التصويرية فن دقيق وأصيل في صناعة جودة الفيلم وأحيانا يرفع أفلاما لمرتبة الأوسكار والتي لو جردت من البعد الموسيقي لصارت عملا عاديا مفرغا من أي إبداع، فعلى سبيل المثال أذكر فيلم The king's speech الذي أجده يتناول قصة عادية جدا لو أفرغ من عوامل التحسين التي تأتي في مقدمتها الموسيقى التصويرية ،

لأنه فعلا ذلك الفن الذي يصنع الفارق الضخم في نجاح الفيلم فقد استحوذ على اهتمام الكثير من المخرجين الناجحين، فقد اقترن اسم المخرج جيمس كامرون مخرج الفلمين الأكثر إيرادات في التاريخ ، Titanic & Avatar  بملحن الموسيقى التصويرية جيمس هورنر والذي ألهبت موسيقاه ـ أيضا ـ مشاعر المحظوظين الذين تابعوا أفلاما خالدة كـ Brave heart  و Enemy at the Gates ، كما استعان المخرج الأرجنتيني أليخندرو اجريستي بعملاق الغناء والموسيقى البريطانية السير جيمس بول مكارتني في أحد أكثر الأفلام تأثيرا في The Lake house  الفيلم الخيالي الرومانسي العجائبي والذي ما كان ليكون كذلك لولا سحر السينما الخفي.

الجمعة، 21 ديسمبر 2012

رأيت فيما يرى النائم



رأيت فيما يرى النائم كأن قوما ذووا ميول غريزية في بيع الدموع و جني الثمار من مآسي الآخرين ، رأيتهم وكأنهم يذرفون دموعاً أشبه ما تكون بدموع التماسيح سكبوها بجود كبير يعكس تأثرا عميقا على قرية من الضحايا والقتلى وبقايا أشلاء ، هكذا عرفت في الماضي وهكذا هي في الحاضر وهكذا يستشرفون لها في المستقبل لأن دموعهم المدفوعةِ أثمانها تتعلق قيمتها بتلك المعاناة .

ولأنها دموع تماسيح كما أوضح لي طيف غامض حين اكتشفت في بعض جوانب النفس الراسخة فيهم والتي تُرَى بوضوح في حالات النقاء ـــ فقط ـــ حين تكون الغريزة الفاحصة في صفاء تام و تكون الإرادة البشرية ـــ التي لا ترى إلا ما تراه العين ويخدعها الكلام ويسرها الغلاف الخارجي للإنسان ولا تملك جوازات العبور لأبعد من ذلك ـــــ ، حين تكون مصفدة تنتظر حيث العالم السفلي البهيمي ، أوضح لي الطيف الغامض في حقائقهم الكاملة جانبهم الضاحك من تلك المعاناة وما تدر عليهم ، رأيت جانبهم الفعلي المبني على ركوب موجات الدموع والتجديف بأعمدة المراثي والتنفس من سموم الكذب والضحكات "الصفراء" ، نعم ميزت الضحكات "الصفراء" كأوضح ما يمكن أن تكون عليه في وقاحتها وحقدها وحِدًّتها دون أن يتحملوا عناءً أن يفصلوا التعبير عن عيونهم الدامعة التي كانت تقطر سعادة وتشفي .

ورسوا على الشاطئ الأول مدعومون بجحافل الدموع وقنابل الصياح ليخرجوا من جُيُوبِهم الخلفية أوراقا تحوي تصورات جاهزة لما يريدون ان يكون عليه الجميع، فتناولها غلمان مخمورون برعود الصيحات وأمطار الدموع مسكونين بالتأثر، رفعوها  لعنان السماء حينها تحولت تلك الدموع إلى تصورات تبادلها النائمون في حركات تلقائية دقيقة بتتابع تشبه أساليب التعليب في المعامل الصناعية ، ومن النافذة خرج الجميع يرتدون نفس التصورات كأنهم حبات من الحصى في تشابههم يصيحون ويذرفون الدموع .

 ولأن الزمكان الذي أفرز الدموع كوسيلة من أسلافهم عن فلسفة يفهمها الأسلاف قبل مزاحمة المنطق والنقد للأفكار في أكثر التزاوجات انتاجا على مر الأحلام تحول التصور من وسيلة إلى صنم مقدس لا لأي تفسير ،جعل الأبناء يذرفون الدموع دون أن يفهموا السبب ، لقد تحولت دموعهم إلى عادة للجميع  بتبرير وحيد "نبكي كما كان آباءنا يبكون" ، لازالوا رغم أن القرية الأولى ردمت في طبقات الزمن ولم يبقى من معاناة لتلك الدموع إلا معاناة واحدة .. هي أن الأبناء لا زالوا يبكون .

فجأة أخذتني رجَّةٌ من موجات النفس البهيمية التي تشاركني العيش حين الصحو ولا تفارقني حتى ساعة تغتسل الروح منها في المياه الأولى من النوم ، بدأت تلك النفس في التوافد إلى العالم الغريب عنها راغبة في إعادة خلط الأمور علي من جديد مما ينعكس على مزاجي أحيانا بالحزن الشديد وسكرة في الأنفاس تجعلني كالمخدر الذي تتخطفه تعاويذُ سدنة السحر الأسود من المدينة الفاضلة ،أو بالفرح العميق أحيانا أخرى كنشوة الناجي من جحيم الكوابيس المتوضئ في النهر الواقع على حدود جنة الواقع ...أو بكليهما معا.

السبت، 27 أكتوبر 2012

أثر الفراشة - قصة قصيرة -






قبل البداية :
" تأثير الفراشة هو استعارة مجازية لتوضيح الحساسية الشديدة لمحددات البداية لحدث ما ، وتوضح هذه الاستعارة كيف ان حدثا صغيرا جدا يمكن أن تكون له آثار واسعة جدا ."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 







الموظف في وزارة الداخلية "عبد الرحيم " مصاب بمرض عصبي غامض ليس بالخطير رغم ذلك لم يجدوا له أي مثيل في الارشيف وجميع الكتب الطبية لم يجدوا له أي تصنيف في المستشفى الجامعي بسوسة "فرحات حشاد"
الأستاذ في علم الأعصاب "البروفيسور السرياطي" أطلق على الحالة ، "متلازمة عبد الرحيم" .
عبد الرحيم هو شخص نحيف أسمر ذو ملامح موريتانية قوية وحضور فكاهي تقليدي ، يجمع مجامع الكلم في حسانية الأجداد ذات الطابع نصف الغامض والأسلوب الرصين المنتظم على نسق السيمفونيات الكلاسيكية ، وهو خريج معهد مهني في تخصص النجارة دخل الوزارة مع دخول قريب له على قمتها، إنها الطرق المعهودة للإكتتاب في أي وزارة كما يعلم الجميع ، ليس شخصا سيئا بالمرة بل هو جاد وحاد الذكاء ذا خبرة فطرية في الديكور وتنظيم الأشياء ، ساعده ذكاءه وتطوره وأخلاقه الاجتماعية المثالية مع الجميع في التسلق سريعا إلى عامل مقرب في مكتب مساعد الوزير للشئون الأمنية "أعمر ولد أبوه"  .

المرض الغامض والعمل فرضا عليه ظروفا خاصة من العقاقير المنومة لتفادي الأرق ، فكلما تجاوز عبد الرحيم منتصف الليل أصيب بنوبات اغماء مما يكلفه رقابة طبية ليومين على الأقل يترك فيهما العمل ، الجميع يعرف طبيعته ولذلك فهو يقوم بالأعمال المكتبية ذات الطبيعة الثابتة كالأرشفة، وفي المكتب مجموعة من العمال بعضهم ذا حس ومظهر أمني وبعضهم دخل لأسباب أخرى كحامد .

حامد ، الضابط السابق ، لم يتقاعد فلا زال دون سن الأربعين لكن تحولا طارئا حصل في حياته المهنية نقله إلى سلك الشرطة فهو مهندس معلوماتية متميز اكتُتِب كضابط في الشرطة إبان ضبط الحالة المدنية وظل بعد انتهاء الإحصاء يعمل كضابط شرطة وهو مالم يتدرب عليه يوما فتحول الى ضابط شرطة سيء المهارة لا يحسن التعامل مع القضايا الطارئة تم فيما بعد تحويله إلى مكتب مساعد الوزير على قسم الكمبيوتر ، واعتبر نفسه أخيرا ظفر بالراحة والبعد عن ذلك الجهاز الكريه بالنسبة له وهو جهاز الشرطة .
حامد رجل عملاق بكرش كبيرة جعلته يحضر دوام العمل بالدراعة ـ دائما ـ ، بعينين جاحظتين رغم قطع الشحم البارزة أسفلهما، وشعر غير منتظم أسفل الأذنين مرورا بلحية على نفس النسق في شكل غريب ونادر تذكرك بلحية المغولي ، لاتوجد فيه أي ملامح موريتانية ولا يمكن أن تتخيل عنه ذلك حتى تحدثه ، حتى وهو يرتدي الدراعة يذكرك بالسياح الذين يريدون تجريب كل شيء في البلد من الدراعة واللثام مرورا بالأسفار على ظهور الجمال عابرين الصحراء الشاسعة ..
حامد يواكب الحضور يوميا في الوقت المناسب ويقوم بأعمال اعتيادية كرعاية البرامج ورقابتها وتطويرها ـ أحيانا ـ أو كمستشار في تطوير البرامج التي تعتمد عليها وزارة الداخلية بشكل عام ، وأحيانا يتناول الشاي مع المساعد ، أو يتصفح الجرائد ويحلل ما يحدث في خياله ، لديه عمل آخر وهو إيصال رسائل "مساعد الوزير" التي  لا يمكن قول فحواها في الهاتف ، كل شيء يمشي بروتين محكم شيئا ما .

"علي" مراهق بدأ يثور على سلطة البيت ويخرق القوانين الصارمة في عدم التأخر أو المبيت مع الأصدقاء وبعد صراع طويل وحرب كلامية و تعنيفية  شرسة من الأب تمكن أخيرا من تطويعهم على قانون الدخول والخروج الغير مشروط في الوقت المريح بالنسبة له ، تعودت والدته وضع العشاء في الركن الجنوب الشرقي من المطبخ .
"كمبه" فتاة زنجية عشرينية تتمتع بجمال "البولار" الأصيل قادمة من الريف رفقة أمها السيدة المطيعة التي نزحت من قرية ريفية بعد غزو حمى الإيبولا الذي أودى بحياة الزوج وثلاثة أبناء وفقر مدقع أنتزعها من تلك الجذور التي مضى على تسلسلها مئات السنين في النجع المتواصل وتنمية المواشي ، النازحون من الريف دائما يبحثون عن الحياة في نواكشوط ، حين قدمت بتلك الفتاة الصغيرة كمبة كانت لا تعرف كيف تستمر في الحياة ومع الزمن وتراكم المغامرات اكتشفت موهبة الصباغة وصارت إحدى أهم صباغات الثياب بأنواعه في مقاطعة لكصر وتحولت موهبتها إلى دخل يكفي قوت العائلة ، لكنها في الفترة الأخيرة أصيبت بقصور في القلب ،
 فيما شقت "كمبة" طريقها واعتمدت على نفسها –كعادة "الهالوبولار" - هي الأخرى واختارت العمل كخادمة منزلية في بيت عائلة "علي" ، وهي متزوجة من شاب كادح يدعى "السالك".

السالك شاب خفيف السمرة يعمل سائقا لشاحنة كبيرة وقديمة لنقل شحنات الأدوية لـ - الشركة الموريتانية للأدوية - ، و أثناء عودته عصر الخميس تعطلت الشاحنة العملاقة ـــ على ظهر الطريق ، حاول رفقة مساعده اصلاحها دون جدوى وفي حدود السادسة وصله اتصال من كمبة ،،، قرر مباشرة أن يدع الشاحنة تحت حراسة مساعده على أمل العودة العاشرة ليلا رفقة ميكانيكي .

الغوث ولد السيد ، وزير الصحة الفاسد وهو أحد الشخصيات ذات النفوذ منقطع النظير، فهو يمسك الكثير من الخيوط في عدة مناطق حساسة من صنع القرار في الدولة و أختار ـ بنفسه ـ وزارة الصحة كي لا يتعرض للمشاكل الكبيرة كنوع من التقاعد المريح والقرب من إدارة تجارته الآمنة في الأدوية – المزورة أحيانا – فأكبر شركات استيراد الأدوية هي - في الظاهر ملك- لعامله عليها "ورجل الأعمال الخليل "  وتدعى – الشركة الموريتانية للأدوية- .
كان "الخليل" على الطرف الآخر في فندق "ميتروبول" بمدينة شانغهاي يهز رجله بفارغ الصبر يعد الرنات قبل أن يفتح أمامه الوزير الخط ، كان فحوى الاتصال حول محاولة اقناع الوزير بقبول صفقة لحمولة من المضادات الحيوية الرخيصة – المزورة- بحجة أن ربحها يصل 1500% وان تأثيراتها العكسية ـ حسب الخبيرــ محدودة الخطورة ولا تصيب في الغالب إلا مرضى قصور القلب ..... وتمت الصفقة .

صباح يوم الأربعاء كان أعمر "مساعد وزير الداخلية" يخرج كل هنيهة ليسأل عن حامد ، وحين تأكد أنه  لن يأتي اليوم بسبب وعكة صحية جعلته حبيس الفراش كان الوقت  قد وصل بعد الظهر، صادف عبد الرحيم عند خروجه النهائي من المكتب ليظهر ابتسامة من وجد حلا للغز ما ، هنا عرف عبد الرحيم أنها مهمة وفعلا كانت كذلك فقد ناوله ظرفا يحوي رسالة تسلم عاجلا الى وزير الصحة في مكتبه اليوم أو غدا صباحا .
كان "أعمر" وهو أحد رجال "الغوث" في وزارة الداخلية يملك قصرا في مدينة أنواذيبو وهو قصر بمقاييس لهو خاصة جدا ، حيث تعود "الغوث قضاء عطلة نهاية الأسبوع عنده في جو مليء بالقمار والنساء ، حيث يجتمع العشرات من نخبة النخبة من أجانب وموريتانيين في أجواء تشبه مدينة الملاهي الأمريكية "لاس فيغاس" ، لكن هذه المرة بالذات هناك تغيير طرأ حيث كلف "الرئيس" أعمر بسفر عاجل مساء الأربعاء إلى المغرب .
كانت الرسالة تحوي مكان مفتاح القصر ، وصل عبد الرحيم وزارة الصحة لكن الوزير لم يكن هناك مما دعاه للتفكير تلقائيا في الاحتمال الثاني وهو العودة باكرا وتسليم الرسالة .

على تمام السادسة والنصف من يوم الأربعاء تلقت "كمبة" اتصالا هاتفيا بينما كانت غارقة في تنظيف المطبخ تخبرها عن نقل أمها إلى الحالات المستعجلة بعد تراجع في الحالة الصحية العامة بسبب عقار مضاد حيوي مزور ــــ على مايبدو ــــ ، سقطت المكنسة من يدها وخرجت مهرولة فيما بقايا من الماء على الجانب الجنوبي الشرقي من المطبخ .

بعد منتصف الليل كان "علي" يتحسس الجانب المعتاد حيث يوضع له العشاء عادة فيما فوجئ بقطة تحاول الفرار ، ارعبه المشهد للدرجة التي فقد فيها التوازن فمر رجله على مكان زلق فسقط سقوطا حرا جعل ارتطامه بالبلاط قويا ، قفزت الوالدة مذعورة لتجد الولد مغشيا عليه والدماء تغطي مكانا معتبرا ، أطلقت صيحة الأم المفجوعة حتى التف حولها الجيران ومن بينهم "عبد الرحيم" الذي عاد مذعورا بسرعة إلى سيارته و اخذ العائلة بسرعة إلى المستشفى وبات الأرق رفيقه لليلة كاملة حتى أذن الفجر كان النوم يغزوه بدون موعد و لا رغبة منه فسقط على الكرسي .

في الساعة الواحدة زوال يوم الخميس كانت سيارة وزير الصحة ذات الدفع الرباعي على الكيلومتر 51 من نواكشوط متجهة إلى أنواذيبو رفقة تكييف وأنغام هادئة من مقطوعات كلاسيكية تصيبه بالنعاس عادة .
في الساعة الخامسة كان الغضب يتملكه ووعود العقاب تصارع فكره فقد وجد القصر مغلقا لأول مرة منذ بداية برنامج الترفيه الآمن هذا ، وفي أجواء الشحن والغضب أصدر أوامره للسائق بالعودة مباشرة الى نواكشوط.

في الساعة السادسة من مساء الخميس كانت كمبة في حالة اضطراب كامل حين فتح "السالك" الخط كانت منهارة بالبكاء والنحيب فأعز شخص في حياتها قد غادر قبل دقائق ، أكتفت فقط بكلمة "لقد ماتت !" وانقطع الخط ، توقف السالك مباشرة من محاولة اصلاح شاحنته وعلى عجل جعل قصة العطل عذرا ليصل نواكشوط بسرعة ليكون بجانب زوجته وليعرف أساسا ماذا يحدث !
التاسعة ليلا من يوم الخميس كانت سيارة الدفع الرباعي تسير بسرعة خيالية يوبخ الوزير سائقها على البطء فيما كانت أصوات الارتطام تصم الآذان ، توقف الزمن قليلا قبل أن يكتشف الوزير لحظته قد حانت ، سيارته ارتطمت بالشاحنة الواقفة على الطريق دون إشارة ضوئية في ظلام دامس كان الوزير يتحسس وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة قطعا من الأدوية التي تدخل في شحنات صفقته الأخيرة .

الكثير من وسائل الاعلام وضع عناوين من هذا القبيل "حادث مؤسف لوزير كبير" ، "موريتانيا تفقد ابنا بارا" ، "وزير الصحة إلى مثواه الأخير" .
شخصيا أختم هذا التحقيق بهذا العنوان " قطرة ماء على اسفلت مطبخ تقتل وزير الصحة" ، "دواء مزور يكون سببا في موت بائعه"

تحرير : "خ.س" ، من صحيفة "ت.ف"

السبت، 29 سبتمبر 2012

سقوط الملك ! ـ قصة قصيرة ـ




لم يبقى حوله إلا الفارس شاهرا سيفه متقمصا شكل الواثق الذي تدرب جيدا عليه في جو مفعم بلغة العيون و الإيحاءات و إن كان الفارس قد تدرب جيدا على تقمص الشخصيات الواثقة المتفائلة في أسوء الظروف فهو أيضا تعود مع مرور الزمن على لغة الإيحاءات ، لقد قرأ في عيون الملك الآتي:
" لم يبق من قواتنا إلا كتيبة الفرسان اليمنى وليس لديها إلا خطا مناورة فيما الخناق يزداد حدة عليه ، قوات الوزير تقترب من اليمين والفيلة التي ترصد الرقع السوداء تراقب الرقعة اليسرى القريبة ، فيما يحرس الفارس الرقعة البيضاء الواقعة يساري .
في السابق كان صف الجنود الأول يلقي ترنيمة العزة المعتادة التي تحوي تمجيدي ومنعتي ، كم كان منظرا رائعا ومشبعا بالسلطة والقوة والسمو ، لا أشبع منه أبدا !
كان لدي كتيبتا فيلة مهيبتين رائعتين موزعتين بتخصص يشعرني بذكائي المميز إلى رقعتين سوداء و بيضاء تحرسان أربعة كتائب من الجنود التي تحرس عظمتي ........ "
هكذا كانت عيون الملك الممتلئة بالحسرة والرعب .
لم يكن الفارس يملك الوقت الكافي لقراءة عيون الملك حتى النهاية فأمامه أربع مناورات حتمية تفضي إلى نتيجتين حتميتين : إما أن يموت أو يموت الملك قبله ، وحين تكون الخيارات حتمية فإن أصعبها وأكثرها إيلاما هو البقاء قيد الحياة كما هو واجبه ، وهو أن يناور غير بعيد في نقاط محدودة إلى آخر لحظة .
  تنهد في مقاومة شرسة لليأس " ما أصعب هذا !"
هكذا الملك في اللحظات الأخيرة ، تذكر بالأمس القريب آخر تقرير ينبئ بضرورة تقليل قوات الحراسة الشخصية التي تعطل كتيبة الفيلة وكتيبتي الفرسان وثلاث كتائب من الجنود ، رغم أن الجميع أقنعه بضرورة المناورة بهم او حراسة الاماكن اللوجستية الهامة للملكة لكنه كان يرد مزمجرا في غضب :
" لن أفعل فأعدائي كثر والناس يكرهونني لأنهم أغبياء وحاسدون حقيرون ، لم يكرهوا أبي لأنه كان غبيا مثلهم ، كان يجالس الحداد والجندي ويحط من منزلته ولم يهتم بأمر الحراسة حتى زاره سهم من هؤلاء الهمج ...... او احد الغزاة ، أما انا فلن أتخلى عن حرسي الشخصي لأن الغزاة يقومون بهذه الغارات كل عام ليستحوذوا على مزارع سخيفة ويعودون تحت خوفا من الصقيع الذي يحولهم إلى جيف كالدجاج المريض  ، انا لا أخاف علي من الغزاة ، أنا لا اخاف من غدر هؤلاء الرعاع الهمج لأن بعضهم لم يعرف مكانته الحقيقية أو مكانتي بالنسبة له "
لكنها لم تكن لأجل المزارع هذا العام ، وحتى الغزاة لم يكونوا نفس الغزاة كل عام لقد ضربوا حرسه الشخصي في لحظة سكر فيما كانت كتيبة يقودها الوزير تعمل المستحيل لاختراق صفوف الغزاة غير آبهة بتنظيم الجبهات الداخلية لأن سلطة الوزير هناك تشبه سلطة المهرج ، لقد قرر أخيرا أن لا يقوده أحد غبي وأن يستمر في المناورة حتى يجد ثغرة في الرقعة الواسعة فيختار بلدا آخر يقدر عظمته ، تلقى الكثير من رسائل الاستعطاف والتهديد من الملك لكنه كان قد قرر سلفا أن لا عودة وانتهى الامر بالنسبة له ، هناك يتقلب الملك المدلل على الجمر غضبا أن وزيره عصى أمره للمرة الأولى التي يفعلها احد في مملكته ، فقرر الانتقام الشرس ، ودس شخصا في كتيبة فرسان الغزاة الثانية كدليل إلى حيث يوجد الوزير ، ولم يبقى للوزير المسكين إلا لحظات يقظة على فزع يندب فيها السنين التي كان فيها وفيا لملك سيء وفاسد .
كانت تقارير أخرى توقظ الملك من خمرته وسهراته الحمراء فيرمي عبوات الخمر على النذير ويأمر بقتله فلا أحد يفسد حفلة الملك كي يخبره بمقتل جميع أفراد جنود المشاة والحرس الشخصي من الفيلة وسقوط القلاع ، كان يصيح بهستيرية وخوف "هناك الفرسان والشتاء" لكن الوقت كان قد نفد ، افاق من سكره للمرة الأخيرة على رماح قلاع العدو التي تصل مد البصر وعلى فيلة العدو التي تحرس الرقعة السوداء الى اليسار وفرسان العدو تكمن في الرقعة البيضاء الى اليسار فيما تم احتلال الرقع الأخرى من قبل الوزير .
في حياة بعض الملوك ينقسم الزمن إلى مرحلتين متعادلتين تعكسان نفس العمق ، الأولى : عمر من السطوة الغير محدودة والعنجهية والقوة التي تشعره بخلودها وعالمه اللانهائي في عقله ،و الثانية : لحظة السقوط حين يتلاشى كل شيء وتختفي كل الفرص إلى الأبد.

الأربعاء، 15 أغسطس 2012

صناعة "البطل" :)





عند الاغريق
لا يوجد أحسن من اليونانيين في صياغة الخيال والابتعاد في عالم الغرائب في أساطيرهم ، لقد صاغ اليونان أبطالا بمقاييس متميزة جدا الى أبعد الحدود فصنعوا مجتمعا يقدس الأبطال وأجيالا تقلدهم وتسعى خلف حلم وحيد وهو أن يذكر التاريخ أسماءهم كما ذكر الأسماء الأسطورية من قبيل "أخيل ، بريسيوس ، هركليس ، الكسندر  " ، لو رجعنا الى قصة أي شخص من هؤلاء ـ رغم الهامش الخيالي العريض الذي لا يوصل لك حقيقتهم ـ لوجدت أنهم يستحقون بجدارة أن يكونوا أبطالا بكل المقاييس .
أخيل المهووس بالمجد وعاشق الحرب و بريسيوس نصف الإله من اب من الآلهة الاغريقية وأم بشرية حارب الآلهة نفسها وهزم جنودها وذهب الى العالم السفلي لينقذ البشر ، هركليس المغامر الأسطوري ، كل هؤلاء الأبطال الخياليين صممهم اليونان كي يجعلوا من طريق البطولة في ثقافتهم طريقا وعرا يحتاج منك أن تفعل المستحيل كي تصنف "بطلا" .
 كان الإسكندر المقدوني أحد الشباب الطموحين الباحثين عن تخليد ذكراهم متأثرا بكل ألئك الأبطال ، ولخصوصية ثقافة البطولة اليونانية وصعوبتها حرر اليونان من الفرس وفتح الهند وملك مصر وبنى مدنا في فترة وجيزة باختصار ملك العالم كله وفعل كل هذه الأمور العظيمة وهو غير ضامن بعد أن المجتمع سيطلق عليه اللقب السحري "بطل" .



عندنا ............ !
لو صنفنا اليونان كأقصى أمة في صعوبة اطلاق صفة "بطل" فإن موريتانيا هي النقيض البعيد من ذالك ، نحن ننتج صفة "البطل" بسهولة انتاج البيض في مزرعة تحوي آلاف الدجاج الخصيب جدا ، عايشت قصة عزل الغيلاني رغم انها قضية مؤسفة لما تظهره من احتقار القضاء ، رغم أن الغيلاني هذا كان رجل الجنرال في أروقة القضاء وكان يستخدمه في القضايا السياسية التي يريد فيها أحكاما يحددها الجنرال نفسه ويقوم الأخير فقط بقراءتها ، رغم ذلك آلمني عزله بتلك الطريقة والمسرحية المتقنة التي مثلها امام المحكمة حين داهمته قوات الحرس كانت مقطعا رائعا يضاهي المقطع الأخير في رائعة شكسبير "هاملت" ، لكن الغريب أن الباحثين عن الأبطال الذين يوزعون الصفة بالمجان وفق معادلة عاطفية بحتة أو فقر في مادة البطولة الحقيقية أطلقوا عليه بطلا .
 أذكر أحدهم قال بالمناسبة : "كنت أفقد الأمل تماما في موريتانيا لكن حين رأيت أمثالك من الأبطال النادرين عادت إلي الأمل من جديد ايها البطل"
قام أحدهم ـــــــ في حمى صفحات  "كلنا" ــــــ بفتح صفحة من أجله تحت عنوان "كلنا الغيلاني" ، وكثر الهرج والمرج حول بطولته حتى ذهب بعضهم أنه سيكون أحد أهم الأسباب لاسقاط الجنرال .
لو رجعنا إلى الغيلاني على المستوى الشخصي وتناسينا صفة التبعية للجنرال وكونه ليس أكثر من أداة يبطش بها لو غفلنا كل ذالك فعلى الأقل ليس بطلا بأدنى المقاييس ، لم يقم بأي شيء ليكون بطلا ، لم يفعل إلا أن هاجمه الحرس وأخرجوه من مكتبه المكيف الذي كان يطبق فيه نزوات الجنرال باسم القضاء  . 
أظن الارتباط العاطفي بقضايا معينة للكثير منا يجعل تصنيف الأشياء عندهم على معايير عاطفية بحتة ، بمعنى أنك حين تعارض شخصا ـــ كالجنرال مثلا ــــ فأنت مستعد لتحويل كل من يقف ولو للحظات ضده أو يناصبه الجنرال عداءا أو مقربين من الجنرال بطلا حتى لو كان أبعد من تلك الصفة ولايبحث عنها أصلا ، أنت تصنع من كل من يرضيك ولو للحظة بطلا في حينٍ هو ليس إلا بطيلا . 

الجمعة، 22 يونيو 2012

الدولة الدينية




















الكثيرون يخوفوننا من الدولة الدينية صباحا ومساءا ويجعلها البعض سيفا على حرياتنا وإنسانيتنا حتى الأسوأ من بين الجميع "مبارك ، القذافي ، بشار الأسد "  وغيرهم من الاستبداديين الساديين المرضى هؤلاء هم أسوء من فينا ومع ذالك كانوا وكأنهم يهددونا من ما هو أسوء .

وكحالة تأثير البروباغاندا الشبيه بالتنويم المغناطيسي أقتنع الكثيرون بهذه الدعاية دون أن يفكروا في أبعادها ، فلو عدنا إلى الوراء وأسباب موقف الأوروبيين من الدولة الدينية وثورتهم عليها لعرفنا أي دولة دينية خطيرة يقصدون ، هذه الدولة كانت تمارس سلطتها الروحية في تثبيت المُلك في يد الطاغية الحاكم بوصفه ممثل الله على الأرض ومعارضته أو الحديث عنه بسوء هو كفر وهرطقة ، هذه الدولة نفسها هي التي وقفت في طريق التقدم العلمي وحاربت العلماء ووصفتهم بالهرطقة والكفر وأقامت لهم المشانق ، عالم الفلك والفيزياء والفلسفة "جاليلو جاليلي" الذي دفع ثمن نظريته المخالفة لمعتقدات الكنيسة حول أن الأرض تابع للشمس وتدور حولها .
نعم هذه ظروف مرعبة ومخيفة وتجعل من الديكتاتورية والإستبداد أكثر إقناعا لأنه لا يوجد أحد سيقف في وجه أوامر الله ـ من نحن في الأخير لنقف في وجه أوامره ـ ذالك هو الإيهام الرئيسي للدولة الدينية وتلك هي عقيدتها ، لكن لو رجعنا إلى واقعنا وتاريخنا الحديث لوجدنا أننا منذ سقوط الخلافة الراشدة ونحن نعيش حالة من الدولة الدينية تتفاوت في السوء و الاستبداد من مرحلة لأخرى ، من بين المميزات الفقهية للدولة الدينية ـ حسب فهم الغرب ـ هي كل تلك الفتاوى المنبطحة التي أخرجت فقط لتمجيد السلطان وطاعته والرضى بحكمه كفقه لزيادة الضعفاء ضعفا وخنوعا وزيادة الطغاة و الأقوياء قوة وجبروتا ، رغم أني لم أقرأ أي نص فقهي للماوردي إلا أن ما ينقل عنه العلامة والمفكر الموريتاني الكبير الشيخ حمدا ولد التاه هو شبيه بفقه الدولة الدينية التي رسخت تخلف الغرب ، على مر العصور لم تزدد الأمور في العالم الإسلامي إلا سوءا في ظل الدولة الدينية القمعية التي طبعت كل المراحل فكان لكل سلطان أو ملك متغلب شيوخ دين يرافقونه يكفرون من يخرج عليه أو يسفهونهم على أقل تقدير حتى وصلت الدولة الدينية لدرجة غير ممكنة التصديق في ظل عصرنا الحالي حين كانت غزة تحت النار والحصار كان هناك شيوخ دين يسوغون ذالك لمبارك ويسوغون ذبح الآلاف من المستضعفين للقذافي .
شخصيا يقنعني بشدة رأي بعض المفكرين أن دولة المسلمين في المدينة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم كانت دولة مدنية بمقاييس متطورة في ذالك العصر فلم يحاكم أبدا غير المسلمين بقانون الإسلام ولم تكن هناك تلك النظرة المخابراتية لتطبيق الحدود كما هو موجود اليوم في الدولة السعودية أو بالأمس في دولة طالبان حتى إنه رد الزانية التي اعترفت طواعية بارتكابها الجرم المحظور طالبا منها أن تعود بعد وضع حملها ولم يتابعها أحد بعد ذالك هي من أتت بنفسها في المرة الثانية، كذالك القصة الشهيرة للزاني المعترف أيضا الذي أشاح عنه الرسول بوجهه مرات حتى ألزمه ضرورة تطبيق الحد عليه ـ هذه الفقرة الأخيرة المتعلقة بالحدود ربما لا تكون لها علاقة وثيقة بالموضوع إلا الجانب المتعلق بمخابرات الدولة الدينية التي تبحث عن حدود تنفذها على عموم المسلمين ـ .
تلك يا سادتي هي الدولة الدينية التي تحكمنا اليوم والحاكمين بطريقتها يوهموننا أنهم هم صمام الأمان دون دولة دينية في أذهانهم هم بمقاييس وضعوها ليجعلوننا نخاف من المجهول رغم أن الواقع المعاش والمعلوم هو أكثر الأشياء سوءا ،، إنه الدولة الدينية ـ حسب تعريف الغرب ـ 



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وضعت صورة شيخ الأزهر السابق طنطاوي ـ رحمه الله ـ كمثال على بعض العلماء الذين أنتهجوا بفكرهم ما أنا مقتنع أنه هو نظير الدولة الدينية الشبيهة بالدولة الدينية في الغرب . 

كل ما كتبته أعلى يؤخذ منه ويرد وأرجو من لديه أفكار أخرى أن يمدني بها وسأكون شاكرا فمنكم أستفيد medabdou150@gmail.com

الثلاثاء، 22 مايو 2012

بائعة الليل ـ قصة قصيرة ـ

--> -->

-->
في الليلة التي صادفت طلوع البدر في ابهى حلله كانت تتعثر في الطريق الضيق مأسورة بسحر النور الخفيف النادر عائدة إلى البيت بعد منتصف الليل بقليل تسابقها الأحلام بليلة أخرى إلى حيث العش اللطيف الذي أعدته قبل عشرين سنة بعد زواجها بعام واحد في الجنوب الشرقي من مدينة كيفه حيث الأغلبية هناك أناس فقراء جدا .......... 
تعود كل ليلة مثقلة بالتعب رفقة العائدات القليلة لتجارتها التي اختارت لها مكانين في وقتين مختلفين ، اختارتهما بذكاء فطري تتمتع به دون الحاجة لسابق تعليم اختارت المكان الأول قبل من الخامسة والنصف حتى الثامنة مساءا في كنف أحد الدكاكين يملكها أحد الطيبين في السوق المركزي للمدينة الذي يغلق أبوابه بالكامل مع تمام الثامنة لكنه مركز رهيب لتجمع العشرات أثناء ساعات العصر والمغرب ، مارة ، تجار ، عمال ومنمون يعودون إلى المناطق الريفية الساحرة المحاذية للمدينة كل هؤلاء يحتاجون الكسكس ورذاذ الدقيق المعد بالطريقة الدقيقة والمسمى محليا "باسي" يتفقد الزبون المعتاد "اطول عمرو" حزمة الكسكس التي أعتاد اقتناءها ـ ثمن مائة أوقية ـ قبل دقائق من نقل الجماعة المعتادة إلى إحدى القرى القريبة ، يملك 505 بيجو زرقاء ـ بالمناسبة ـ .
بعد اكتمال المغرب وموت الشفق تحمل "إنجيها" ما تبقى من بضاعتها في إنائها الكبير إلى المستشفى حيث هناك ينتظرها زبناء آخرون يستعملون غالبا مادة العيش ويأخذون ما تبقى من البضاعة الأخرى ، هي غالبا تعود بإناء فاض وجيب ليس بالمملوء كثيرا ، ليس مملوءا إطلاقا ، يحوي ألفا أو ألفان وقد تزيد قليلا مع المزيد من الحظ .
في طريق العودة تقوم بعمليات حساب لما ستصرف فيه أموال الليل غدا ، هكذا تفعل كل مرة "500 حق الغداء ، 500 حق الدقيق ، 300 حق ـ لحجاب ـ ، 200 حق الفحم ، 500 حق الادخار  " ، هذا هو حسابها منذ شهرين ، منذ أصيب ابنها "علوه" ذي العشرين ربيعا بالحنون وتحول من شخص عامل وطموح ذي أفكار غريبة حول إمكانية الغنى الفاحش إلى شخص ثرثار مثبت خشية بطشه يصدر اصواتا مخيفة تجمع بين كل مكونات الطبيعة وأبطالها من الحيوانات المفترسة ، الطيور ، النعم ، وأحيانا يحاكي الأذان أو يغني ، كل ذالك يعني ـ فقط ـ أنه لم يعد ذالك الشخص المنهمك في العمل وصاحب الأفكار الغريبة حول التحول من الفقر إلى الثراء .
بعد سقوط "علوه" في أتون الجنون سقطت معه 300 أوقية ثمينة من المصروف اليومي للعائلة ، هناك "حجاب " وصل خبره بالتواتر لبائعة الليل وأشترط الـ 300 كحد أدنى للتعامل مع المجنون ، لم تكن لتمانع لأن معتقداتها تقول أن الحجاب يسأل والناس تعطي ـ دون جدال أو مماكسة ـ ، خشية على مستقبل المريض .
في إحدى جوانب الغرفة الثانية يقبع الراقص الذي تعلم أساليب الرقص الغربي وصار مساهما فعالا في إحدى عصابات المدينة التي تهتم بتقليد الحياة الغربية سواء في الحلاقة أو اللبس أو حتى الكلمات الفرنسية الركيكة التي يتبادلونها ، "سيداتي" هو الابن الثاني المسمى على عمه الذي لا يعرف عنه أحد خبرا يقينا إلا في قصص الأب الذي حدثهم عن بعض المغامرات التي انتشلته من عالمهم ونقلته إلى مكان ما من إفريقيا الأعماق وأنتهى خبره إلى اليوم .
تتوزع الغرفتان إلى عدة مناطق نفوذ داخل الأسرة بمعدل منطقة لكل واحد من الأولاد العشرة ، البنت الوحيدة التي حظيت بها بنت ودودة تحاول المساعدة قدر الإمكان لكنها مشغولة في الدراسة تشاركها تجارتها المسائية وأحيانا تحل محلها في مزاولة الطبخ ، تفعل أفضل ما بوسعها .
قبل العشرين عاما الماضية كانت بائعة الليلة تعيش في كنف العائلة قريبة العهد بفك قيد العبودية التي عانى منها أجدادها لقرون خلت رغم كل ذالك لم تحقد على أحد ولا تهتم بشيء أكثر من تربية أبنائها وإيصالهم ما وصلت إليه يوم زواجها ، لم تقطع رابطتها بالعائلة الجميلة التي تحتضن أسعد ذكرياتها في واحات العصابة عاشت ضمن عائلة معروفة بالاهتمام بالنخيل بأجر زهيد ومحصول نخلة لكل سنة ، أبوها أحد الأشخاص الثقة المستشارين في الواحة لدماثة خلقه وسداد رأيه وعاشت صداقات عديدة بقيت كذكريات تحتفظ بها حتى اليوم .
يستيقظ الجميع قبل الفجر بساعات تحت وطأة صياح "علوة" وتوعده لأشخاص وهميين بقتلهم وإنزال الأهوال بهم .
سيكون يوما حافلا بالنسبة لبائعة الليل ، في خيلاء يتجول "سيداتي" في أركان البيت باحثا عن مثبت الشعر الخاص به وقميصه البراق المزركش الذي ثبتت عليه صورة مغني البوب "مايكل جاكسون" فيما تصلي "إنجيها" الضحى قبل البدء في إعداد الغداء و الكسكس ورذاذ الدقيق "باسي" و"العيش" ، اربعة وجبات قبل المساء ، على أكناف دكان التاجر الطيب تقابل مغازلين على حياء بالطريقة البدوية التي لا تبين شيئا من فحوى الغزل غير أنه حديث بلا موضوع ولا سبب ، " اطول عمرو " أعتاد مغازلتها بتلك الطريقة البريئة التي تشعرها شيئا ما بأنوثة لعبت عليها عوامل العمر والوحدة بعد ثلاث سنين من وفاة الزوج المسكين ،
لديها مغازلين أيضا قرب المستشفى فغالبا ما يغازلها بنفس الطريقة الغامضة ـــ كلام في غير محله وبدون أسباب ـــ مالك العربة الذي يزود بالمياه بعض المنازل في الحي ، الكثير من الزبناء يشترون بصمت وأغلب المغازلين لا يشترون  يريدون تمضية بعض الوقت في الحديث فقط ، غير أن أحد المغازلين اليوم كانت لدية أغراض أخرى فبعد منتصف الليل بدقائق تحسست مكان الأموال تحت رداء القماش الرمادي البالي الذي تفترشه لتعثر فقط على 500 أوقية .
في الليلة التي صادفت طلوع البدر في ابهى حلله كانت تتعثر في الطريق الضيق مأسورة بسحر النور الخفيف النادر عائدة إلى البيت بعد منتصف الليل بقليل تسابقها الأحلام بليلة أخرى إلى حيث العش اللطيف الذي أعدته قبل عشرين سنة بعد زواجها بعام واحد في الجنوب الشرقي من مدينة كيفه حيث الأغلبية هناك أناس فقراء جدا ، لم تعد تدري الحساب وكيف سيمضي الغد لقد حفظت طريقة حساب واحدة فقط وهي كيفية تقسيم 2000 على تفاصيل اليوم أو لا توزع شيئا في الأصل هكذا تعودت دائما ، من الضروري 300 للحجاب ,وإلا لن يشفى "علوة" ، من الضروري 500 للدقيق وإلا لن تبيع شيئا في الغد ، من الضروري أن تصرف 500 في غداء الغد وإلا ستطاردها 10 معدات جائعة لا تعرف الأعذار ، يبدو أنها في ظل هذه الحيرة لن تنفق هذه الـ 500 وستضيفها إلى الادخار فذالك أرحم من التفكير في كيفية صرفها .
قبل ساعات الفجر كان "علوة" غاضبا كعادته ويتعهد جميع الشخصيات الوهمية في رأسه وكان وقت الاستيقاظ قد حان ، قامت "بائعة الليل" متثاقلة إلى الحمام الغير مسقف ثم عادت إلى عادتها القديمة وهي الوضوء من ماء القدر الذي يشبه الثلج ،  كانت العتمة تخالط كل الأشياء ناثرة الغموض الذي يسبق صباح المدينة الهادئة ، أطرقت حينا ثم حدثت نفسها :   
ـ "لاشيء مهم سآخذ من مدخراتي ".