الاثنين، 18 فبراير 2013

حركة 25 فبراير (الأهداف)




1

يلف الغموض مستقبل الدول التي تنطلق في عفوية ودون تنظيم أو ثوابت لأنها بلدان تعصف بها الأغراض و تمشي وفق أهواء الانتهازيين الذين ينخرون فيها دون رادع .. هذه الدول لا يمكن تحديد مستقبلها القريب فكيف بالبعيد فهي دائما على كف عفريت .
تعاني موريتانيا  نفس المشكلة ، فالشعب لا يملك كبير اهتمام ببلده رغم أنه المتضرر الأكبر في حالة الكوارث لأن الزمن والفساد المتأصل والجهل بالمفاهيم أثبت عنده أن هذه البلد ليست بلده بل بلد لمن يحكمها وله أن يحدد مصيرها ومصير أهلها كيف شاء ،
 والمشهد السياسي والغ في تقديس الأشخاص ، ربما مر ذلك المشهد ذات فترة بالتعلق بالمبادئ لكنها مبادئ ظلت تذوب في تمثل الأشخاص حتى صارت المبادئ عبارة عن مجموعة أشخاص ... قد يكونون أشخاصا طيبين لكنهم يبقون في الأخير بشرا .
موريتانيا تعاني المشاكل الأعظم على كل المستويات والأصعدة وخصوصا الحرجة منها (صحة ، تأمين غذائي ، تعليم ، بطالة) وظلت تلك المشاكل تتفاقم رغم كل ادعاءات الاصلاح وأيضا رغم ادعاءات الغنى المهول والموارد التي تتمتع بها البلاد ــ باتفاق الجميع ـــ ورغم كل ذلك لازالت نفس المشاكل تستفحل .
الرؤية المقاومة في 25 فبراير تعيد الأمر إلى انعدام مؤسسات حقيقية للدولة تضمن سير القانون على الجميع ونظام رقابة ومحاسبة حقيقي على كل من يتصدر لتسيير البلد .
 (طبعا لا أحتاج القول أنه لم تخلق تلك المؤسسات الحقيقية بعد لأن ما نشاهده اليوم من مؤسسات هو مؤسسات للجنرال عزيز وما شاهدناه قبله كانت مؤسسات لمعاوية وحتى ما كان قبل ذلك كانت مؤسسات للحاكم حيث هو ، وتغيب الرقابة والمحاسبة في ذلك إلا حسب ما يشتهيه مالك هذه المؤسسات .)
وهنا تكمن ضرورة بناء "دولة المؤسسات والقانون" التي تجعل الجميع تحت القانون بما في ذلك المسيرين الذين يجب تقييد طمعهم بأنظمة مراقبة ومحاسبة حقيقية .

2

كبلد متعدد الأعراق والطوائف وشهد الكثير من الأحداث العنصرية المأساوية ولازال يشهد يوما بعد يوم تنامي الكراهية على أساس اللون والعرق يجب أن نعيد النظر إلى أي مصير نحن سائرون ؟
على مر تاريخنا المعاصر وقعت كميات هائلة من الظلم الجماعي على الموريتانيين سواء في عيشهم أو كرامتهم وإنسانيتهم ،
وكان أكبر ظلم يمكن أن يقع عليهم إضافة لذلك تعمد اثارة النعرات والكراهية والتفرقة بينهم ، بين جميع أعراقهم ـ أولا ـ ثم قبائلهم ثم أسرهم ــ حتى !ــ  .. ظل مسلسل الكراهية والتشرذم مستمرا ، وقد تكون الأسباب بينة ــ شيئا ما ـــ  وهي أن لا يتكون مجتمع متماسك وقوي قد توازي قوته قوة الشخص "الحاكم" ، ولازال تلك العنصرية والكراهية تتأجج يوما بعد يوم دون وضوح لما قد تسفر عنه الأيام من أشياء مؤسفة جدا ما لم تحدث حلول للأمر ،
لازال الكثير من الموريتانيين يخوضون حروبا وهمية متطرفة في أذهانهم وأحيانا في أقوالهم ان لم تصل لحدود الأفعال دون وضوح لما قد تسفر عنه الايام من أشياء مؤسفة .
ولازالت الأنظمة العسكرية المتتالية تتفرج على المشهد يتسع ويتعمق حتى اذا هدأ مرة رمت عود ثقاب جديد لإشعال النفوس ــ المتعبة ــ دون اهتمام بما قد تسفر عنه الأيام من أشياء مؤسفة .
إنها دولة الشخص أو الأشخاص هي التي أورثتنا تلك المشاكل الجدية والحقيقية فلو كانت لدينا دولة القانون والعدل لما وصلنا لهذه الدرجة المخيفة والظلامية حقا ، كما أن حل تلك المشاكل ـــ وهو في مصلحة الجميع بالمناسبة وليس مصلحة عرق بعينه ـــ لن يكون إلا بتلك الدولة أي دولة القانون والعدل وكل تأخير فيها يعمق المشكلة ويزيدها تشعبا على ما هي عليه الآن .
إن دولة القانون والمؤسسات الحقيقية والمؤسسة تأسيسا سليما هي الهدف الذي تصب فيه حلول جميع مشاكلنا ، قد لا تبدأ العلاج من الدقيقة الأولى لكنها قطعا هي الخطوة الأولى والأشمل للعلاج .

الجمعة، 15 فبراير 2013

25 فبراير (الفكرة)




هناك سؤال غريب يجعل الأفكار ـ التي كنا نظن استحالتها ـ تعلن عن نفسها ، لاشك أنه سؤال سحري أو ذا قدرات هائلة ! هو ..... إلى متى ؟ !

إلى متى يأخذنا البؤس إلى بؤس آخر ؟ ، إلى متى يأخذنا العسكري إلى عسكري آخر ؟ ، إلى متى تأخذنا الفوضى إلى فوضى أخرى ؟ ، إلى متى يأخذنا المصفقون والمطبلون عرابي الفساد إلى آخرين ؟ ................. إلى متى تستمر أوضاع البلد من سيء إلى أسوء ؟

هذه الأسئلة التي توحي بالسأم من الواقع و مشبعة بالتطلع لإصلاحه هي التي تبدأ معها عادة الأفكار التغيرية وهي أيضا نفس الأسئلة التي طرحها الشباب الموريتاني على مر السنين .
الكثير من ألئك الشباب المتطلعين لخلاص هذا الوطن من دوامة الفساد العصية على التغيير  كانوا يبتسمون كلما لاحت بارقة أمل في التغيير مع مسلسل الانقلابات المنهك الذي مر على البلاد كما تمر الطوابير في المشية العسكرية المعروفة ،
كانوا يشعرون بالأمل فيها لأنها كانت انقلابات تم اختيار عناوينها وتواريخها بمكر وذكاء شديدين من قبل منفذيها على جميع المراحل ، فهي في الأخير انقلابات تأتي ــ دائما ــ استجابة لتذمر الشعب وبعد وصوله مرحلة السأم الشديد ، ثم تأخذ أسماء براقة ومطمئنة وبعدها دعاية محمومة بأحلام التغيير وكيل الشتائم للعهد السابق ثم فترة انفراج وانتعاش بسيطة حتى يتغلغلوا في حكم البلاد ويسيطروا على مفاصلها لتدخل الدولة علنا دهاليز المصالح الشخصية والشخصيات النافذة والمفسدين الذين لم يحدث أي تغيير يذكر فيهم أو في طريقتهم السابقة ،
فقط يذهب الرأس ويبقى عصير فلسفة الفساد الحاكمة في الفترات الماضية وسدنتها من المفسدين و ربما تمت التضحية ببعضهم ممن لم يعملوا على تأمين حماية وابتزاز كافيين للحكام الجدد ....
 وحينها يتضح للجميع أن أي تغيير لم يحدث وأن كل ما قيل وكل الشعارات وكل الفرح والأمل ....... كل ما سبق كان مجرد أحلام وردية كاذبة  ،،، ليعود السؤال المعهود ... إلى متى ؟ .
ومن هنا تبدأ الفكرة ، فكرة التغيير الجذري ، فكرة تحكم أن التعامل بحسن النية الذي دأبنا عليه دائما ــ كمجتمع طيب ومسالم ومحب للراحة والأحلام الوردية ــ هو خطؤنا التاريخي وأن تغييرا لم نفرضه أو نساهم فيه لن نتمكن من تحديد مساره ولا نستحقه ، أي أن من أعطانا هذا الأمل يمكنه في أي وقت أن ينتزعه منا فهو الوحيد الذي يملكه وليس نحن ،
من هنا تبدأ فكرة تعود بنا الى "المفاهيم" هي أن التعامل مع قوة مسيطرة على كل شيء وترسم وحدها معالم الواقع وتملك جميع بيادق اللعبة دون أن يكون لك بيدق واحد لا يمكن أن تشترك معها في لعبة فقط لأنك تحسن النية ،، فقط لأنك تتمنى أن يلعبوا بعدل على رقعتك ، لسبب بسيط أنك لا تملك شيئا غير التمني أو حسن النية ، فهم من يحددون كل شيء .
من هنا تتضح الفكرة أن حسن النية والتمني والوقوف في الحياد ومشاهدتهم كيف يلعبون في وطنك لن ينهي الأمر ولن يوصلك إلى جواب السؤال الغريب ... إلى متى ؟ ! ،
 إذا يجب أن تمتلك القوة ويجب أن ترسم المعالم ويجب أن تكون معالم وقواعد فوق الجميع ويتساوى فيها الجميع ... ليست دعاية ... ليست خطابا جماهيريا لرئيس يمن بها .... لا .. لا يجب أن يمن بها عليك أحد لأنك أنت من صنعتها ، أنت من وضعتها ، ليست له حتى يمنها أو يتفاخر بإعطائها .
الفكرة التي تجيب على هذا السؤال ... إلى متى ؟ ، هي أن الحقوق والأسس العادلة والمضمونة للدول والتي تجعل كل من يتجاوزها في مواجهة قوة حقيقية ورادعة هي فقط الحقوق والأسس التي رسمها "المجتمع/الشعب"  ودافع عنها ، هي أن الحقوق والأسس الراسخة للدول والتي لا يمكن لشخص كان أن يبلغ قوة فوق قوتها  هي حقوق منتزعة من قبل الشعب وأسس بنيت بيده ، وعلى هذا تأسست فكرة 25 فبراير :
"لن يضمن الشعب حقا لم ينتزعه بأيديه ولن يراهن على أسس لم يزرعها بنفسه"

الأحد، 13 يناير 2013

القذافي ، عزيز ، بن اعلي ورسالة إلى المرزوقي




القذافي :
كان القذافي يعيش حالة نفسية لازالت لحد الساعة محل جدل بين الأخصائيين النفسيين ومثار سخرية للمراقبين العاديين أمثالي أو حافزا لجنون البعض الذين ظنوا في الرجل حكيم زمانه وقائد ثورة (من الجنون) عظيمة ، بإمكان الصنف الأخير أن يخرج لك العبر والأفكار والعمق الكامن في صفحات الكتاب الأخضر  أو يقنعك بمدى روعة المصطلح (ديمو كراسي) ، هناك صنف آخر من البشر قد لا تهتم لأمرهم لكونهم يتلونون بسرعة كانوا يرون في القذافي صرة ذهب تحمل الكثير من الوعود ، يرون فيه الأموال التي قد يبذرها بسخاء لكل من يمجده ويمجد أفكاره المجنونة هؤلاء هم ضيوف تدوينتي هذه المرة ،، لا ... ليسوا جميعا ، فقط شخص واحد منهم ، إنه :

الجنرال محمد ولد عبد العزيز :
هو انقلابي شهير ربما حد أشهر انقلابيي إفريقيا قاطبة لكونه أطلق رصاصة على حلم الديمقراطية المتعثر في بلده حين قام بانقلاب عسكري على أول رئيس مدني منتخب في موريتانيا دون سبب مذكور إلا أنه عزله من منصبه في قيادة الحرس الرئاسي في قرار سيادي من حق أي رئيس جمهورية في العالم القيام به إلا في بلد ترتمي فيه الديمقراطية والدستور والقانون تحت أقدام النافذين في الجيش ـ كحالنا في موريتانيا ـ ،
منذ الأيام الأولى للانقلاب قامت علاقة وثيقة بين الجنرال الانقلابي والعقيد وتفسيرها الواضح هو عدم استراحة القذافي لتطبيق أي تجربة ديمقراطية في بلدان المغرب العربي ـ
يبدو أنه كان يخشى السؤال الليبي الحتمي منذ زمان : "وماذا عنا نحن ؟! ، لماذا هناك حرية وديمقراطية في موريتانيا وليبيا لا ؟ !" ،  أو لأسباب أخرى ظهرت أمارات الحب والود والتبعية أحيانا بين الجنرال والعقيد جمعتهما تلك الأجواء المليئة باحتقار فكرة أن يكون للشعوب حرية في تقرير مصيرها وبالنسبة للجنرال إضافة إلى ذلك رأى في القذافي منجما خصبا مستعدا لتبذير أموال الليبيين على نزواته السياسية ،
قاد العقيد ماراتون وساطة كانت في أحسن حالاتها مضحكة ، كانت بادية الانحياز وواضح بشكل جلي أنه أتى يبشر بمشروع دولة يقودها الجنرال وتنبطح فيها المعارضة والقوى السياسية ... مبادرته لا تريد تحويل موريتانيا إلى نموذجه "الجماهيري" مباشرة لكنها غير بعيدة ن ذلك ، فهي في الأخير مشروع قذافي .
ظلت  أواصر الحب والترابط تزيد وتتشعب حتى قامت الثورة الليبية ، ويبدو أن الجنرال عزيز كان على ثقة تامة حينها أن القذافي سينجو ـ وأنه فعلا ليس كالزين ومبارك (الجملة المفضلة عندهم جميعا J ) ـ لذلك طار عشرات الآلاف من الكيلومترات لأسابيع متواصلة يحمل مبادرات أشبه بمبادرات القذافي .. هي أيضا مبادرات تريد إجهاض الثورة الليبية واستمرار الاستبداد غير مبالية في حق أي شعب في التخلص من طاغيته وتقرير مصيره ، وحاول باستماتة جمع القادة الأفارقة حول (ملك ملوك افريقيا) لكنه فشل فشلا ذريعا فلاشعب الليبي لن يعود إلى الوراء أبدا، وحين أقتنع أخيرا أن القذافي يتهاوى بدأ في قطع أذرع الاخطبوط القذافية في نظامه بدءا بوزيرة الخارجية التي زودت الكثير من أباطرة نظام القمعي في ليبيا بجوازات سفر موريتانية لتسهيل الهروب ـ حسب بعض وسائل الاعلام المستقلة ـ ، رغم ذلك ظل صامتا ملتزما الحياد ـــ حسب ما أكده في أغسطس 2011 لمراسلة الجزيرة ــــ ، وحين صار القذافي قاب قوسين أو أدنى من لفظ أنفاسه الأخيرة خرج الجنرال عن صمته وأكد أن نظام القذافي قد أنتهى وكأنه لم يبذل قصارى جهده كي لاتحدث تلك النهاية ، قال أنه أنتهى وأنه صار على استعداد للحديث مع الثوار (ربما بحثا عن قذافي جديد بينهم) أو هكذا بينت لي قصة السنوسي الشهيرة ،والذي باعه الجنرال بعد أن أنتزع آخر فلس من يده ـ أو هكذا قالت عائشة القذافي ـ ، باعه للثوار رغم أنه صرح سابقا أنه لن يسلمه حتى تصدر المحكمة قرارها بشأنه ، قدمه للثوار دون أن تبت المحكمة في قضيته ـ كما وعد ـ .
لم تكن تلك الصداقة الخاصة والوثيقة التي جمعت ولد عبد العزيز و القذافي هي الصداقة الوحيدة مع نمور الاستبداد فقد جمعته أيضا صداقة وثيقة برئيس تونس الذي أسقطته ثورة الياسمين التونسية :

ـ زين العابدين بن اعلي : نعم كان صديقا له وكان آخر رئيس دولة يلتقي به قبل سقوطه وفراره الى حيث يقيم الآن ، لم يخفي الجنرال أسفه على سقوط أصدقاءه فلم يفوت أي فرصة للسخرية من الربيع العربي والتنكيت عليه كان آخرها في لقاء له بعد عودته من الرحلة العلاجية من فرنسا
.. وربما في إطلالة قذافية من قذافياته يدعي أنه مفجر الربيع العربي حين قام رفقة زملاءه بانقلاب عسكري على معاوية ثم قيامه "بتصحيح المسار" ــــ كما قال ــــ حين انقلب على أول رئيس مدني منتخب .

مع فصول هذه القصة التعيسة لا يمكن أن أنسى التعريج إلى شخصية أحترمها جدا ـ للتنويع قليلا ـ زجها في هذه المعادلة شيء ما ، ضغوط ما ، مصالح ما ، أو باراغماتية كانت متخفية في مكان ما ـ أستبعد هذا الاحتمال الأخير ـ وأبقى على احترامي لهذه الشخصية رغم ذلك ، انه :

ـ الرئيس التونسي منصف المرزوقي : شخصية حقوقية عالمية ومعارض عتي لنظام بن اعلي وطبيب مرهف الحس يفرض عليك احترامه لو نظرت قليلا الى سيرته الذاتية النادرة بين القادة العرب ، لاشك أن الكثير من الشعوب العربية يتمنى أن تعيره لهم تونس شهرا كل سنة لكنه لا يستطيع ، انه افراز الثورة العظيمة ، لا يصلح إلا لذلك البلد الذي فقد الشهداء كي يتخلص من المستبد بن علي ..
لم يكن المرزوقي غير واعي بالحالة الموريتانية . ــــــــــ فهو كان في فريق عربي مشرف على الانتخابات الاولى في موريتانيا وكتب عن التجربة الديمقراطية الموريتانية واحتفى بها ثم شجب الانقلاب العسكري الذي قضى عليها في بعض مقالاته ـــــــــ ، رغم ذلك قام المرزوقي بدعوة الجنرال عزيز للاحتفال الأول بمناسبة نجاح الثورة التونسية متجاوزا بذلك ما قد يفسر  وينعكس سلبا على صورة الثورة التونسية ، وأتضح في الاحتفال أن الجنرال عزيز يستحي من قراءة كلمة "الاستبداد" ـ على الأقل وحتى لم يستطع قراءة أسم "منصف المرزوقي بشكل صحيح" ــــــــــ تابع الفيديو ـــــــــــ .



 قد أتفهم المصالح العليا لتونس وسعي الرئيس الذي أفرزته الثورة الى اصلاح الأوضاع ودعم الاقتصاد والعلاقات الخارجية ، قد أتفهم سعيه في ربط علاقات وثيقة مع موريتانيا ومع دول الجوار وغير الجوار سواء كان سعيهم أو طريقتهم في الحكم ، لكني لا أفهم كما الكثير من الشباب الموريتاني كيف تتحول احتفالات ثورة الياسمين إلى منتدى يحتفل فيه استبدادييوا العالم ... عزيزي وسيدي الرئيس فلتشترك معهم الحوارات الاقتصادية والسياسية المملة في أروقتكم ، في قصوركم ، لكن رجاءا اتركنا نستمتع يوم الاحتفالات بشكل الثورة النظيفة ،،، نطالب بيوم واحد فقط ، دعوه على نظافته لنتذكر ثورة الياسمين بالشكل الذي نحلم به جميعا . 

الثلاثاء، 8 يناير 2013

القضية المنسية




قد لا أكون مبالغا لو قلت أننا في حالة تقصير دائم وفي حالة اهتمام تعادل الصفر في تعاطينا وتفاعلنا مع قضية شعبنا ونصفنا الثاني في الصحراء الغربية ، لست مستغربا طبعا فلقد وصلت منذ فترة لقناعة تامة أنه لا مكان في قلوب الكثير منا لتفاعل مع مشاكله الشخصية أو الاهتمام بها فكيف بالاهتمام بمشاكل الآخرين ، رغم ذلك انا على قناعة تامة ان هناك لحظة صحوة حين تتضح الصورة للجميع وحين يعرف الجميع مكانه الحقيقي من الأحداث والقضايا لاشك سيتغير ذلك لست متسرعا ولست قانطا من أن يتأثر الناس بقضاياهم وقضايا المظلومين في العالم .
منذ أعوام الاستقلال والشعب الصحراوي تحت طائلة العقاب الجماعي الذي تقع تحته الشعوب المستعمرة حيث تم تقسيمه إلى فئات لكل منها قصة معاناته الخاصة لن أدعي أني سآتي بها هنا أو حتى ألقي عليها الضوء بالشكل المطلوب لكن سأحاول :
ـــ الباقون على الأرض : يعاني الصحراويين الذين لم يهجروا عن أرضهم وبقوا تحت وصاية "الملك" أصناف العذاب والضغوط والإذلال يأتي في مقدمتها مصادرة الرأي وعدم السماح لهم بأي مستوى من حرية التعبير عن الرأي أو الهوية ثم الاستنزاف المستمر لثرواتهم الطبيعية وزرع الإرهاب البوليسي داخل عائلاتهم وحياة الرعب الدائمة في واقعهم حيث لا حقوق أبدا ، فأنت حين تكون صحراويا فذاك يكفي لتكون متهما ومدانا حتى لو كنت شخصا بريئا او غير مبالي ، وتعتبر المطالبة بأبسط الحقوق من قبل الصحراويين ترفا غير مستحق لذلك يعاقبون بأشد قسوة ممكنة يتضرر من تلك القسوة الجميع في توزيع عادل منقطع النظير لتلك القسوة (نساء ، رجال ، شيوخ ، وحتى الأطفال) ـ كما تبين الصور التالية ,

                          



    
المهجرون : وهم بمئات الآلاف حكمت عليهم الظروف والواقع الاقليمي أن لا يعيشوا على أرضهم كراما فنزحوا الى مخيمات خارجه يعيشون على المساعدات ـ إن وجدت ـ في شظف بكل المقاييس وفي كل مجالات الحياة انطلاقا من الغذاء وحتى التعليم توجد فيهم قصص انسانية تدمي القلب فقد حدثني احد الاخوة الصحراويين ان أمه لم تلتقي بإخوتها وأهلها منذ النزوح الأول وحتى يومنا هذا أي منذ سبعينات القرن الماضي والمؤلم أن هذه ليست قصص أشخاص معدودين بل هي قصة شعب كامل تم تقسيمه وفصله عن ذويه وأهله لعمر يصل الأربعين سنة ولكم أن تتصوروا أحدكم في تلك المأساة وأحكموا بأنفسكم .

قضية الصحراء والصحراويين ليست مجرد قضية سياسية وصراع نفوذ ومصالح فقط وليست مجرد مشكلة اقليمية تتنازع فيها دول بعض الأراضي المليئة بالخيرات ، إنها اكبر معمل للظلم والحيف وانتهاك حقوق الانسان واللعب على العواطف والكذب والتدليس والقتل والنهب والسلب في العالم . نعم انها ذلك المعمل .


وأخيرا : ( طبعا لن أعتذر عن فظاعة الصور لأنكم لستم مرهفي الأحاسيس لتلك الدرجة  وأيضا لأن هذه الصور مختارة من بين مجموعة من الصور أفظع بمراحل )

الجمعة، 4 يناير 2013

اللحظات الثورية المضحكة :P





1
النشيد الوطني بالنسبة للدول هو ضرب من ضروب الهوية التي تميز البلدان كالعلم والمبادئ التي تتأسس عليها الدول والتي تأتي في مقام فوق الأشخاص مهما كان وصفهم (رئيس ، قاضي قضاة ، حكيم ... لا يهم ) ، لكنه أيضا ليس مقدسا لدرجة أن يكون غير قابل للتغيير هو فقط من ثوابت الهوية التي أحيانا قد تتغير لتستبدل بثوابت أخرى ، ليست هناك مشكلة في ذلك اطلاقا ، فقط يحتاج من يريد تغيير هذه الثوابت ان يحصل على جو عام من التوافق حول الأمر ـ أولا ـ  ولكي يحصل ذلك الجو يجب أن يتوفر قبله وقت ما قابل للاستخدام في رفاهية التفكير والذي أظن أن الغالبية الساحقة من المواطنين لا يملكونه أصلا لكن قد يكون  متجاوزا ـــ بمعنى ما ـــ إذا كان هناك اتفاق مسبق على المشاكل التي تعاني منها موريتانيا فربما حينها يحتل العلم والنشيد تصنيفا في طابور المشاكل و سنكون حينها أناسا منظمين نتعرف على المشاكل أولا ثم نقوم على حلها وهذا مربط فرس مهم ـ بالمناسبة ـ ، وليس لحظة ثورية لشخص ما .
2
هناك أمهات فقدت عيونهن النظر الى قرة أعين لم يبلغوا بعد العامين في احدى السرقات الكبيرة التي تحوي الكثير من الجوانب سواء سرقة ثمن الحقن السليمة أو ثمن صيانتها أو السرقة الأكبر وهي سرقة الأرواح البريئة تلك ، حين علمت اليوم بصحوة الضمير التي أتت متأخرة بالتحقيق في القضية بعد أكثر من شهر على الحادثة تذكرت بعض حقيقة مهمة ــــ التي لم أقتنع بعكسها يوما ـــ :
·      أن مبدأ التحقيق ليس سياسة أصيلة في مؤسسات (المستعمرة العسكرية) أي أن التحقيق هو قرار يصدر من الجنرال حين يمسح أماكن معينة من بدنه ، ويتذكر كم يمكنه أن يكون ثوريا وجادا في قراراته ثم يصدر الأمر بالتحقيق ولو بعد فوات الأوان ، وحين يغض الطرف عن ذلك فليمت أطفال موريتانيا عن بكرة أبيهم ولن يحرك أحد ساكنا ولن يهتم أحد لأمرهم ولن يحصل أي تحقيق حتى بعد فوات الأوان رغم أنها مشكلة محددة ومعروفة أصلا وجميع الشرائع والأعراف في العالم تعرفها بما في ذلك نحن .

3
لا أظن أن هناك من لا يدرك أن المواد البلاستيكية مضرة بالبيئة لدرجة كبيرة خصوصا في بلد ومجتمع بعيد كل البعد من ثقافة النظافة يمكنه أن يرمي أي شيء في أي مكان ، ليست هناك اماكن نظيفة عصية على قطعة بلاستيك او كرتونة أو حاوية من نوع ما ، هذه مشكلة حقيقية وعويصة وتحتاج حلولا ثورية ومن النوع الأصيل الذي يوجد فيه ضرب الطاولة ورفع الأصبع والتمتمة الحازمة "لن نقبل بعد اليوم أية حاوية بلاستيكية في الحما " هذا جيد لكن ذلك أيضا يحتاج بعض الدراسة للبديل الذي سيحول دون انتشار التجارة السوداء لمادة "زازو" ، وربما ينتج عن ذلك افتتاح ادارة جديدة في الجمارك ومصلحة أخرى في شرطة مسقارو للتنقيب عن البلاستيك .. هذه هي كارثة عدم الدراسة وعدم إنتاج البديل قبل الضرب الثوري على الطاولة واتخاذ القرار .
4
حين يكون هناك آلية لتحقيق تلقائي لكل التجاوزات لا ينتظر قرارات ثورية من جنرال ما أو "رئيس" ما ، وحين تبنى كل القرارات (ثورية كانت أو غير ثورية) على الدراسة التي تجعل البديل متاحا ويغطي كامل الاحتياجات بما فيها ملاك المصانع والعمال المهددين بالبطالة ، فأظن قضية تغيير النشيد والعلم لا تحتاج إلا لإجراءات بسيطة :
أولا : تحديد المشكلة والاتفاق عليها
ثانيا : حلها (سواء بتغيير النشيد والعلم أو بالبقاء دون نشيد وعلم) 

الجمعة، 21 ديسمبر 2012

رأيت فيما يرى النائم



رأيت فيما يرى النائم كأن قوما ذووا ميول غريزية في بيع الدموع و جني الثمار من مآسي الآخرين ، رأيتهم وكأنهم يذرفون دموعاً أشبه ما تكون بدموع التماسيح سكبوها بجود كبير يعكس تأثرا عميقا على قرية من الضحايا والقتلى وبقايا أشلاء ، هكذا عرفت في الماضي وهكذا هي في الحاضر وهكذا يستشرفون لها في المستقبل لأن دموعهم المدفوعةِ أثمانها تتعلق قيمتها بتلك المعاناة .

ولأنها دموع تماسيح كما أوضح لي طيف غامض حين اكتشفت في بعض جوانب النفس الراسخة فيهم والتي تُرَى بوضوح في حالات النقاء ـــ فقط ـــ حين تكون الغريزة الفاحصة في صفاء تام و تكون الإرادة البشرية ـــ التي لا ترى إلا ما تراه العين ويخدعها الكلام ويسرها الغلاف الخارجي للإنسان ولا تملك جوازات العبور لأبعد من ذلك ـــــ ، حين تكون مصفدة تنتظر حيث العالم السفلي البهيمي ، أوضح لي الطيف الغامض في حقائقهم الكاملة جانبهم الضاحك من تلك المعاناة وما تدر عليهم ، رأيت جانبهم الفعلي المبني على ركوب موجات الدموع والتجديف بأعمدة المراثي والتنفس من سموم الكذب والضحكات "الصفراء" ، نعم ميزت الضحكات "الصفراء" كأوضح ما يمكن أن تكون عليه في وقاحتها وحقدها وحِدًّتها دون أن يتحملوا عناءً أن يفصلوا التعبير عن عيونهم الدامعة التي كانت تقطر سعادة وتشفي .

ورسوا على الشاطئ الأول مدعومون بجحافل الدموع وقنابل الصياح ليخرجوا من جُيُوبِهم الخلفية أوراقا تحوي تصورات جاهزة لما يريدون ان يكون عليه الجميع، فتناولها غلمان مخمورون برعود الصيحات وأمطار الدموع مسكونين بالتأثر، رفعوها  لعنان السماء حينها تحولت تلك الدموع إلى تصورات تبادلها النائمون في حركات تلقائية دقيقة بتتابع تشبه أساليب التعليب في المعامل الصناعية ، ومن النافذة خرج الجميع يرتدون نفس التصورات كأنهم حبات من الحصى في تشابههم يصيحون ويذرفون الدموع .

 ولأن الزمكان الذي أفرز الدموع كوسيلة من أسلافهم عن فلسفة يفهمها الأسلاف قبل مزاحمة المنطق والنقد للأفكار في أكثر التزاوجات انتاجا على مر الأحلام تحول التصور من وسيلة إلى صنم مقدس لا لأي تفسير ،جعل الأبناء يذرفون الدموع دون أن يفهموا السبب ، لقد تحولت دموعهم إلى عادة للجميع  بتبرير وحيد "نبكي كما كان آباءنا يبكون" ، لازالوا رغم أن القرية الأولى ردمت في طبقات الزمن ولم يبقى من معاناة لتلك الدموع إلا معاناة واحدة .. هي أن الأبناء لا زالوا يبكون .

فجأة أخذتني رجَّةٌ من موجات النفس البهيمية التي تشاركني العيش حين الصحو ولا تفارقني حتى ساعة تغتسل الروح منها في المياه الأولى من النوم ، بدأت تلك النفس في التوافد إلى العالم الغريب عنها راغبة في إعادة خلط الأمور علي من جديد مما ينعكس على مزاجي أحيانا بالحزن الشديد وسكرة في الأنفاس تجعلني كالمخدر الذي تتخطفه تعاويذُ سدنة السحر الأسود من المدينة الفاضلة ،أو بالفرح العميق أحيانا أخرى كنشوة الناجي من جحيم الكوابيس المتوضئ في النهر الواقع على حدود جنة الواقع ...أو بكليهما معا.

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012

ساد "الفساد"




يوم الانقلاب على الرئيس المدني المنتخب الوحيد الذي قام به حارس القصر "الجنرال" ولد عبد العزيز خرج السيد الجديد للقصر بكرشه المنتفخة رفقة عصابة من العساكر إلى الجماهير التي تخرجها وسائل الدولة بعد جميع الانقلابات الناجحة لتأييدها أو للتنديد بها في حالة فشلها ، قال "الجنرال" يومها أن : (قليل العدالة الموجود عنده سيتم توزيعه بعدالة على الجميع) ، هذه العبارات هي التي جادت بها قريحته حينها ، بعد ذلك طور الخطاب إلى درجة صار شعاره الكبير "الحرب على الفساد" ،  في تلك الحرب المزعومة على الفساد قام الجنرال ولد عبد العزيز بالكثير من التجاوزات منها تقمص دور القضاء في أحيان كثيرة حين قال أنه سيسجن كل المفسدين وهو ما قام  به فعلا فلا زال أحد ضحاياه مسجونا لحد الساعة دون أي محاكمة قضائية في أحد أطول فترات السجن التحكمي في البلاد .

لكن العودة إلى بعض المحطات في حياة "الجنرال" تكشف عن كم عملاق من الاستفادة وممارسة الفساد ولو قدر لشخص "مغفل" آخر أمسك الحكم وأعتمد نفس المبادئ البعيدة عن الطرق القضائية العادية في الحرب على "الفساد" لرمي جنرالنا في إحدى حفر نواكشوط لفترة ليست بالقليلة ، ولو مرت البلاد بتمحيص حقيقي للفساد لكان صاحبنا في مكان عميق في أحد السجون ، فحتى لقبه ورتبته "جنرال" مرت بالكثير من مراحل الفساد ، فصاحبنا ليست معه شهادة الباكالوريا التي توصل لمدرسة الضباط بالطريقة العادية ، صاحبنا ميكانيكي تم إدخاله في الجيش بالوساطة وتلقى كل التدريبات التي مر بها عن طريق الوساطة وتم تقريبه بشكل كبير من معاوية حتى صار مرافقا عسكريا له عن طريق وساطة أصهاره ، حصل على رتبة عقيد عن طريق معاوية بعد أن أبلى بلاءا حسنا في إفشال محاولة الانقلاب التي قام بها صالح ولد حننه ، قاد عملية انقلابية على معاوية وتعهد رفقة زملاءه بقيادة مرحلة انتقالية تفضي إلى الديمقراطية وأثناءها وبعد انتخاب أول رئيس منتخب قام بضغوطات كبيرة على الأخير لتتم ترقيته رفقة مجموعة من أصدقاءه الخلص إلى جنرالات رغم أنهم من أحدث الجنود وأقلهم خبرة وخدمة عسكرية .

في إطار النهب الممنهج لثروات الدولة التي بدأت هي الأخرى منذ وصول حكم العسكر على الأقل ساهم "المحارب ضد الفساد" كثيرا في بناء ثورته بالطرق الملتوية من زبونية واستخدام نفوذ وغيرها ومن بين الشركات التي يملكها والاستثمارات التي يملكها أو يملكها عن طريق وسيط والتي تقوم بمشاريع للدولة من بينها احدى الشركات التي توفر معدات انشاء الطرق والنقل الكبير وشركات لتوزيع النفط (NP)  ويملك الجنرال محميات طبيعية ووسيطه في ممتلكاته الغير مسجلة باسمه "أفيل ولد اللهاه"  المعروف "بسمسار الرئيس" الذي كان بالأمس القريب فقيرا يتسول أعقاب السجائر في مقاطعة الكصر والذي يملك عشرات الاستثمارات من عقارات وشركات استيراد وتصدير ومساهما في شركة "أسنيم" ومالكا لفندق "مرحبا" وأخيرا صار المساهم الأكبر في "بنك الشباب" ومساهما في بنك أهل غده المعروف بـ "معاملات إسلامية" ، في زيارة الجنرال لانواذيبو الشهيرة بخطابه "القذافي" كان في صحبته سمساره "أفيل" وتمت سرقة مليون أوقية من سيارة أفيل فقال أنه لا يهتم لشأن الميلون يريد فقط كمبيوتره لأن عليه بعد المعلومات ، أما المليون التي سرقت من أقوات المساكين من هذا الشعب فهي ليست مهمة لأن تعويضها لا يحمل كبير تعب J ، وتواردت الأنباء عن نفس السمسار خسارة عشرات الملايين في ألعاب القمار في اسبانيا دون أن يهتم .
  
أثناء حربه الطاحنة على "الفساد" نسي الجنرال أن يحارب طمعه وأن يكتفي بالمعاملات التي يدريها قريبه "أفيل" أو التي ملكها في هدوء أو في جو عاصف بالتحدي والابتسامات الصفراء الساخرة التي يصدرها بين الحين والآخر ، لم يكتفي بالثروات التي سلبها بل أوغل في الإجحاف بالوطن وفي الصفقات التي لا تترك للشخص تفسيرا سوى أنه ينال عملات عملاقة منها أو أنه المالك الفعلي لتلك الشركات التي عقد معها اتفاقيات ، منها اتفاقية الصيد الصينية وتجديد الاتفاقيات المعدنية المجحفة وكأن الهواية ليست الثراء الفاحش على حساب الوطن فقط بل أيضا حب الإفساد على رأي المثل "الحمار منين يشرب الما يكبو" . 

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2012

روتينية القتل عند وزارة الصحة




أرسل لي أحد الأصدقاء يوم أمس تقريرا حول وباء الملاريا وانتشاره في موريتانيا وتلاعب وزارة الصحة بملفه، يشمل التقرير معلومات خطيرة من ضمنها أن الخطة التي تعمل على أساسها وزارة الصحة في مكافحة وباء الملاريا هي خطة مغلوطة بشكل كبير بحيث يجلبون أدوية لنوع طفلي ليس هو السائد في موريتانيا "فالسيباروم" فيما الطفلي المتسبب للوباء هو "بلاسموديوم فيفاكس" وهو ما يجعلهم يعطون للمواطنين أدوية غير ذات نفع ، مما يؤدي لاستمرار انتشار الوباء واستمرار صفقات الادوية الغير مجدية ــــــــــ غير مجدية كأبسط عرض جانبي لها ــــــ ،أي أن وزارة الصحة ستجلب المزيد من الأدوية في اطار حملات أخرى للقضاء على الوباء وتضع ادارتهم في أيدي مجموعة من المفسدين ليتربحوا من استمرار معاناة المواطنين ...
ما يسمى عندنا بـ "وزارة الصحة" باتت هي الوباء الفعلي التي تقتل المواطنين باستهتارها ولامبالاتها ودراساتها المغلوطة للواقع الصحي في الوطن ليس حبا في الغلط ولا اعتذارا بحجة "الخطأ" وإنما أرواح المواطنين ألعوبة في يد غريزة الفساد والربح السريع السهل على حساب الوطن.
نفس الوزارة هي التي تأبى أن تعترف بوجود مرض وبائي وانتشاره رغم كونه حصد العشرات ، فقد رفضت الاعتراف بوجود حمى الوادي المتصدع أكثر من مرة رغم انتشاره وصياح المواطنين وأهالي المصابين ورعب السكان في تلك المناطق ورعب المواطنين في كل الوطن بعد أن فقدوا الثقة في "كذب" الوزارة .
تنتشر هذه الأيام حالات كثيرة من حمى تصيب الأطفال وتثير هلع المواطنين وخوفهم من الوقوع تحت رحمة المستشفيات والأطباء والأدوية المزورة ووزارة الصحة حتى اليوم لم تتحدث بشأنهم ولو حتى بكذبة .
وآخر الصيحات كانت مذبحة العصافير الذين قضوا نحبهم وهم في أشهرهم الأولى من حياتهم بعد أن تم تقديم حقنات لهم مخصصة لأعمار تفوقهم بكثير .. الجريمة ليست بدعا فهي شيء معتاد في أروقة تجار الدم الوالغين في القتل المستهترين بالإنسان ، الجديد فقط أنها مذبحة سرقت النور من عيون أطفال لم يكملوا نصف عامهم الأول بسبب أخطاء تافهة لاتعني شيئا بقدر ما تعني هوان الإنسان والإنسانية في قلوب "مصاصي" الدماء ألئك .
أذكر الفتاة السمراء التي اصيبت بإسهال بسيط وقتلتها جرعة أدوية مزورة ... لم يحصل في قضيتها أي شيء حتى أنه لم تحصل معها أي قضية .. لقد سلمت جثة هامدة لذويها بسبب رغبة مجرم ما في الربح فصار يجلب للموريتانيين السم لأنهم ـ بالنسبة له ـ ليسوا سوى فئران تجارب لتجارته ... لا أستطيع أن يمر يوم دون أفكر في تلك الفتاة التي ووريت الثرى دون أن يحاسب قاتلها ...
آلاف الأرواح التي ماتت في ظروف الاهمال وبالأدوية المزورة أو بالقتل العمد ولحد الساعة لازال المجرمون يتنعمون بالربح الذي جنوه من جرائمهم تلك .. لازالت دماء الشهيد ولد المشظوفي لم تجف بعد ورغم وجود الشهود في حادثة قتله فلا زال القاتل ومن أمر بالقتل يتجولان في كامل حريتها ... ويخرج علينا نائب وكيل الجمهورية ليقول أن الوفاة حصلت في ظروف طبيعية .
وأخيرا لا أنسى أن سلاح جريمة قتل أعظم عالم رياضيات في تاريخ موريتانيا "يحيى ولد حامدون" تمت بواسطة أدوية مزورة ، ولحد الآن وكالعادة لايزال المجرمون يضاعفون أرباحهم وفي كامل حريتهم وامتيازاتهم  . 

الجمعة، 23 نوفمبر 2012

ضغوط على العمال لإستقبال الجنرال




مارست الإدارات الموريتانية الكثير من الضغوط على عمالها في الأيام الأخيرة لإرغامهم على استقبال الجنرال ولد عبد العزيز العائد من فرنسا بعد أكثر من شهر من العلاج هناك .. 

حدثتني احداهن أن اتصالا وردها من مديرتها لتؤكد لها ضرورة الحضور الساعة الثانية عشر زوالا لاستقبال الجنرال الذي قد تصل طائرته الساعة الثانية ظهرا ..

محدثتي أخبرتني أن الضغوط ممارسة على عمال الادارة فقط ولا تشمل الاساتذة وانها من الادارة الجهوية للتعليم . 

التحذير المبطن الذي توجهه الادارة للعمال "اذا لم تحضر سيتم افتقادك ولن تكون في مصلحتك "

الأربعاء، 21 نوفمبر 2012

عودة الغائب وبعض الفرضيات التي لم تعد كذلك





فاجأ - الجنرال "الغائب" عن الأنظار منذ فترة - الجميع بظهور مفاجئ لأول مرة في قصر الأليزيه  وهو ما ينهي بالضرورة جدلا كبيرا حول حالته الصحية وصلت الأقوال فيها بعض الأحيان لدرجة أنه في غيبوبة ووصلت للعجر أحيانا وهي افتراضات لها ما يبررها فطريقة الاختفاء والتكتم حول حالته الصحية لفترة تصل 37 يوما دون أن يظهر في تسجيل مصور ولو لمرة واحدة لم تكن لتعني إلا ان هناك حالة صحية قاهرة تمنعه من ذلك .

فتح ظهور الجنرال المفاجئ الباب أمام الكثير من الحقائق التي ظل بعضها مجرد فرضيات ـ أو بالنسبة للبعض على الأقل ـ
أول هذه الحقائق أن "الجنرال" الغزواني لاشك قد أحس براحة لأنه أخيرا لم يعد يحتفظ بالسر الحصري ، الجميع الآن بات يعرف حالة الجنرال ولم يعد سرا يؤرق الجنرال لوحده او في محيطه الضيق .
حقيقة أخرى أن "الجنرال ولد عبد العزيز" أرسل رسائل واضحة لم يزل يرسلها من قبل توضح مدى احتقاره لهذا الشعب فحين يظهر لأول مرة بشكل رسمي في قصر رئاسي لبلد أخرى حتى لو كان ضيفا عندها حتى قبل أن يطمئن "الشعب" عن حالته الصحية وقبل أي خطاب رسمي موجه له هو قمة في اعتبار الشعب كأمر ثانوي غير مهم وغير ذي اعتبار عنده بالمرة   .
يوضح أيضا هذا الظهور من جانب آخر المستوى الذي وصلت إليه الوصاية الفرنسية على موريتانيا والتي لم تعد تأخذ طابعا يحاول معه الفرنسيون وأزلامهم في موريتانيا صبغه بصبغة سرية أو بقليل من المراوغة بل وصل أعلى مراتب الوقاحة والمجاهرة مع ذلك الظهور ، الجنرال الذي هو "رئيس الأمر الواقع" في أول ظهور له وبعد شهر و7 أيام دون اجتماع مجلس الوزراء ولو لمرة واحدة ظهر واهتمامه أكبر في بعض الشئون الخارجية حول تحرير "شمال مالي" وقصة ما عن المتطرفين يعرف الجميع كونها لاتعنينا أصلا اذا ماقورنت بأوضاعنا الراهنة  فالجميع يعرف أنها ليست أكثر من حرب بالوكالة عن فرنسا وكلنا نعرف ما عليه حالنا من سوء الأوضاع وتدهورها ورغم ذلك فالجنرال يهتم لتحرير "شمال مالي" أكثر من حالنا . ، هذا ظاهريا على الأقل.
قبل الظهور بأيام بدا أن قيادات في المعارضة موقنة تماما أن "الجنرال" الذي طالبوا برحيله وانسدت كل الطرق التي قد تجمع بينه وبينهم في حوار أو في عملية سياسية مشتركة قد عجز تماما أي أن هذا قد يكون أقل الخيارات تعبا ويبدو أن جهات ما لعبت بهؤلاء السادة لعبا سيبقى في التاريخ ، لقد صرح الأستاذ جميل ولد منصور رئيس حزب تواصل بعجز الجنرال عن مزاولة "حكمه" مع أسلوب تأكيد يصل لدرجة "القسم" حسب بعض الحضور ولم يكن صالح ولد حننه رئيس حزب حاتم بعيدا حين صرح عن عجز الجنرال لفترة لا تقل عن 4 أشهر .

في رأيي لو كنا في بلد بالمعايير السليمة لكان الجنرال اليوم هو أكثر الناس سوء سمعة واحتقارا بين الناس بسبب الاحتقار والصفعة التي وجهها لكرامة الشعب والبلد ... لكان الجميع الآن على قناعة أن من يحكمهم هم مجموعة مع الجنرالات وكالة عن فرنسا ....
لكان رئيس الوزراء الذي عومل كالدمية استفاق وقدم استقالة حكومته ... لكان قادة أحزاب المعارضة أيضا قدموا استقالاتهم بسبب الخلط والفرضيات المكذوبة التي ساهموا في نشرها في الناس وخصوصا بين أنصارهم ...
لكن أي شيء من ذلك لن يحصل أبدا لأننا لم نبدأ المشي وفق المعايير السليمة بعد .

الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

يكفي - ça suffit




نحن نعرف أن الامبراطورية الفرنسية استعمرت صحراءنا و ارتكبت فيها الجرائم الانسانية التي ستخرج ذات يوم للذاكرة حين تكون لنا ذاكرة موحدة للوطن ، وفرنسا تعرف أنها استعمرت صحراءنا وأذلت أجدادنا وزاحمتنا في أساليب عيشنا ، نحن لا نطلب ـ على الأقل اليوم ـ من فرنسا أن تعتذر عن ماضيها الاستعماري فهي لم تقم وزنا لمطالب الجزائريين الذين ظلموا أكثر منا و الذين واجهوا من الجرائم ما يفوح به التاريخ الفرنسي من الدموية ، نحن لا نطالبها بالاعتذار ولا نريد فتح الماضي معها ، نحن فقط نقول لها كفى .
كفى تدخلا في شئوننا الداخلية ، كفى معاملتنا وكأننا لازلنا مستعمرة فرنسية، لأننا سئمنا هذا الوضع فعلا .
حين أصيب ولد عبد العزيز في 13 من أكتوبر الماضي صحا الموريتانيون على يوم مرعب فمن كانوا يظنونه رئيسهم أختفى في جوف طائرة فرنسية وغادر الى مستشفى عسكري فرنسي ولأنه كان أشبه بالديكتاتور لأنه يسيطر على كل مفاصل الدولة دون أن يفلت أي صغيرة فيها ، فذلك جعل من كل مفاصل الدولة ومصير هذا الشعب متكئ على سرير فاخر في مستشفى عسكري بين الحياة والموت واتضحت في تلك الظروف البصمات الفرنسية الظاهرة على المشهد السياسي في موريتانيا سواء في اللقاءات مع السياسيين أو في اغلاق المعلومات عن الجهات المعنية في موريتانيا ومن بينها عرقلة رئيس الجمعية العمومية مسعود ولد بلخير في الحصول على تأشيرة الى فرنسا .
ترجع الهيمنة الفرنسية على موريتانيا مع بداية نشأة الدولة ، فقد ذكر المختار ولد داداه في مذكراته كما كبيرا من الضغوط التي كانت تمارس عليه في أيام الاستقلال الأولى او قبله بقليل من بينها بعض الاهانات اللفظية .
في الانقلاب العسكري الأول في موريتانيا كانت المخابرات الفرنسية على علم بما سيحصل كبعض أجهزة المخابرات في المنطقة وكان صمتها عبارة عن مباركة للنظام العسكري الذي وجدت فيه ثقبا عملاقا للسيطرة الغير محدودة .
وكان الجنرال لاكاز المهندس الفعلي للإطاحة بولد هيدالة والإتيان بولد الطائع وطبعا كان النفوذ الفرنسي هو الأول في موريتانيا في عدة مراحل من حكم ولد الطائع الى ان ساءت العلاقة بينه وبين فرنسا هناك بدأ يتضح في الجو العام لسياسة الرجل أنه قد أنتهى ،
 ثم كان الانقلاب على سيدي ولد الشيخ عبد الله تحت رعاية الملحق العسكري بالسفارة الفرنسية في انواكشوط وفي اطار التدخل الفج في السياسة الداخلية الموريتانية زار الشخصية الكبيرة في "فرانس آفريك" روبر بورجي" مهرجان عزيز الانتخابي بعرفات  بشكل علني ، وساهم بشكل كبير في حملة ولد عبد العزيز .
                                                           روبرت بورجي في الصورة 
                                
اما في الفترة الراهنة فكل الخيوط عادت إلى يد فرنسا ، السفير الفرنسي هو الحاكم الفعلي لموريتانيا وهو صاحب القرار في الشكل الذي ستكون عليه موريتانيا ، فزيارات الوفود العسكرية الفرنسية تتوالى آخرها كان الجنرال "برونو كليمان" الذي أتى بشروح وافية من الاليزيه لخطط الحرب ودور الجيش الموريتاني بالتفصيل .
 ليس الشعب الموريتاني من يريد ذلك التدخل الامبريالي من مستعمرينا بالأمس ولكن الطبقة السياسية و اللوبي العسكري النافذ سمح بذلك ، لكن على فرنسا أن تعلم أن عودتها بمحض ارادتها عن التدخل الفج في شئوننا سيكون أحسن لها وأكثر فائدة من أن نعيدها بعد أن يسأم الشعب ذلك التدخل الكريه بطريقة ليس فيها أي خدمة لمصالحها .... على فرنسا أن تفهم ذلك ....

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

حين أتى العسكر






حين أتى العسكر وفي أول يوم لهم أتوا بخطاب سيكررونه عشرات المرات في مسلسل لعبة الكراسي المللة تلك، لقد أدعوا حينها ـــ وكل مرة ــ أنهم أتوا لإرساء مبادئ الديمقراطية ووضع أسس العدالة وإنقاذ الوطن من ويلات الظلم وسوء التسيير ، لم يأتوا وحدهم على دباباتهم ولم ينزعوا الأقنعة ولم يقولوا : "هذا انقلاب عسكري جاء ليستمر الى الأبد في عصور من الظلام والجهل والتركيع والإذلال" .
 لم يقولوا – صراحة-  انهم أتوا لترسيخ التخلف ونشر المحسوبية والقبلية والجهوية والظلم في حياة كل موريتاني .
 أتى العسكر والموريتانيون مليون واحد واليوم 3 ملايين ، مما يعني  مليونا موريتاني تمت إعادة برمجتهم على أخلاق العسكر بعيدا عن أخلاق الصحراء ــ على الأقل ـــ .


لم يظهر العسكر أيا من نواياهم في التحول الجذري الذي سيحدثونه في موريتانيا  إلى الأسوء في جميع مجالات الحياة، ولم يدعوا يوما أنهم سيحكمون موريتانيا لوحدهم بدون مشاركة من أحد ، كل مرة كانوا يُغرُونَ الجميع بخطاب سياسي يسيل له لعاب الشعب المسكين ، لذلك أحضروا مجموعة مدنيين للظهور العلني بالمظهر نصف اللين ، ومنذ ذلك اليوم نحن نصدقهم كل مرة في خطابهم الجديد ونلاحظ كل مرة أوجه المدنيين الجديدة المقدمة لنا .... وبعد ثلاثين عاما لازال العسكر يقومون بنفس الشيء ، يقدمون مدنيين على الواجهة او في زحمة صفوف المصفقين ، ويجددون خطابا وعنوانا لجلد الحرباء الذي سيرتدون.
                                           حفلة يحتفل فيها بعض المدنيين ـ الأدباء ـ بإنقلاب ولد عبد العزيز 

يخبرني بعض الكهول أن "بداية" فترة هيدالة كانت فترة ــ رائعة من تطبيق الشريعة ــ  ، ويخبرني آخرون أن بداية معاوية كانت أشبه بـ "الخلاص" من جحيم ولد هيدالة ، ولقد فرحت كثيرا بخروجنا من جحيم ولد الطائع ، واليوم نعيش جحيم "عزيز".

بعد كل انقلاب عسكري وصعود وجه عسكري جديد نبدأ من الصفر لأن البلد لم يكن قائما على مؤسسات ، كان قائما على شخص واحد يتحكم في كل تفاصيل الحكم وينتهج السياسة التي يراها مناسبة لاستمراره على سدة الحكم وليس لاستمرار الدولة ، منطقه في ذلك شبيه بمنطق الحمار في الموروث الشعبي "منين يشرب الحمار يسوى السيوه تنكب" ـ حين يشرب الحمار يفرغ بقية الماء أرضا ، شاهدنا ذلك مع سقوط هيدالة حين انتهى كل شيء ذا طبيعة مشتركة مع هيدالة وأتت بزات عسكرية "جديدة" في الواجهة واسم جديد ، وحين تم الاسقاط بولد الطائع تم اعادة صياغة كل شيء سواء الدستور أو البرلمان لأنه لم يكن يومها موجود فعلا إلا معاوية لا يوجد غيره ، واليوم حين أختفى عزيز قضى قبل "الرصاصة الصديقة" على كل مؤسسات الدولة تمهيدا لأن يكون "شخصه" هو المؤسسة الوحيدة ، والله العالم غدا من سيكون جلد الحرباء الجديدة وبأي خطاب ــ رنان ـــ سيترنم ؟ ! .
                                          نص الميثاق العسكري للجنرال عزيز ، ـ وهل للعسكر مواثيق ـ 

يقول البعض أن المؤسسة العسكرية هي الأروع تنظيميا والأجمل والأكمل بين جميع مؤسسات الوطن ، وهذه على ما يبدو هي الدعاية التي يغتر بها الكثير من مدنيينا ــ مشرعي الانقلابات العسكرية ـــ ، شخصيا لدي اعتقاد راسخ أن أسوء المؤسسات الموريتانية ــ إن وجدت ـــ هي المؤسسة العسكرية ، التي أقحمت نفسها فيما لا يعنيها ، وأفسدت أخلاق المجتمع وأحدثت تغيرات هائلة إلى الحضيض على جميع المستويات وأفرزت أشخاصا غاية في السوء أمثال ولد هيدالة ومعاوية وعزيز ، لم تفرزهم فقط بل قدمتهم للواجهة ليظلموا موريتانيا ـــ هيدالة ـــ أو ليفسدوا موريتانيا ـــ معاوية ــــ أو ليأكلوا ما تبقى من موريتانيا ـــــ عزيز ـــــ ، ويبدو أن الأخير لم يحالفه الحظ في اكمال أكلته ونهشه في الوطن فلا شك اذا أنه ترك بقية من الوجبة لعسكري آخر أو لعسكر آخرين، فمن سيكمل الباقي ، ومن هم المدنيون الذي سيُخدَعُونَ أو يتآمرون هذه المرة ؟.

                                         فيديو للظهور الأول لمعاوية وأنقلابييه ، بعد اسقاط الانقلابي هيدالة
                                         لاحظ الخطاب وقارنه بماذا فعل معاوية وقارنه بالبيانات الأولى لأي انقلاب 

السبت، 27 أكتوبر 2012

أثر الفراشة - قصة قصيرة -






قبل البداية :
" تأثير الفراشة هو استعارة مجازية لتوضيح الحساسية الشديدة لمحددات البداية لحدث ما ، وتوضح هذه الاستعارة كيف ان حدثا صغيرا جدا يمكن أن تكون له آثار واسعة جدا ."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 







الموظف في وزارة الداخلية "عبد الرحيم " مصاب بمرض عصبي غامض ليس بالخطير رغم ذلك لم يجدوا له أي مثيل في الارشيف وجميع الكتب الطبية لم يجدوا له أي تصنيف في المستشفى الجامعي بسوسة "فرحات حشاد"
الأستاذ في علم الأعصاب "البروفيسور السرياطي" أطلق على الحالة ، "متلازمة عبد الرحيم" .
عبد الرحيم هو شخص نحيف أسمر ذو ملامح موريتانية قوية وحضور فكاهي تقليدي ، يجمع مجامع الكلم في حسانية الأجداد ذات الطابع نصف الغامض والأسلوب الرصين المنتظم على نسق السيمفونيات الكلاسيكية ، وهو خريج معهد مهني في تخصص النجارة دخل الوزارة مع دخول قريب له على قمتها، إنها الطرق المعهودة للإكتتاب في أي وزارة كما يعلم الجميع ، ليس شخصا سيئا بالمرة بل هو جاد وحاد الذكاء ذا خبرة فطرية في الديكور وتنظيم الأشياء ، ساعده ذكاءه وتطوره وأخلاقه الاجتماعية المثالية مع الجميع في التسلق سريعا إلى عامل مقرب في مكتب مساعد الوزير للشئون الأمنية "أعمر ولد أبوه"  .

المرض الغامض والعمل فرضا عليه ظروفا خاصة من العقاقير المنومة لتفادي الأرق ، فكلما تجاوز عبد الرحيم منتصف الليل أصيب بنوبات اغماء مما يكلفه رقابة طبية ليومين على الأقل يترك فيهما العمل ، الجميع يعرف طبيعته ولذلك فهو يقوم بالأعمال المكتبية ذات الطبيعة الثابتة كالأرشفة، وفي المكتب مجموعة من العمال بعضهم ذا حس ومظهر أمني وبعضهم دخل لأسباب أخرى كحامد .

حامد ، الضابط السابق ، لم يتقاعد فلا زال دون سن الأربعين لكن تحولا طارئا حصل في حياته المهنية نقله إلى سلك الشرطة فهو مهندس معلوماتية متميز اكتُتِب كضابط في الشرطة إبان ضبط الحالة المدنية وظل بعد انتهاء الإحصاء يعمل كضابط شرطة وهو مالم يتدرب عليه يوما فتحول الى ضابط شرطة سيء المهارة لا يحسن التعامل مع القضايا الطارئة تم فيما بعد تحويله إلى مكتب مساعد الوزير على قسم الكمبيوتر ، واعتبر نفسه أخيرا ظفر بالراحة والبعد عن ذلك الجهاز الكريه بالنسبة له وهو جهاز الشرطة .
حامد رجل عملاق بكرش كبيرة جعلته يحضر دوام العمل بالدراعة ـ دائما ـ ، بعينين جاحظتين رغم قطع الشحم البارزة أسفلهما، وشعر غير منتظم أسفل الأذنين مرورا بلحية على نفس النسق في شكل غريب ونادر تذكرك بلحية المغولي ، لاتوجد فيه أي ملامح موريتانية ولا يمكن أن تتخيل عنه ذلك حتى تحدثه ، حتى وهو يرتدي الدراعة يذكرك بالسياح الذين يريدون تجريب كل شيء في البلد من الدراعة واللثام مرورا بالأسفار على ظهور الجمال عابرين الصحراء الشاسعة ..
حامد يواكب الحضور يوميا في الوقت المناسب ويقوم بأعمال اعتيادية كرعاية البرامج ورقابتها وتطويرها ـ أحيانا ـ أو كمستشار في تطوير البرامج التي تعتمد عليها وزارة الداخلية بشكل عام ، وأحيانا يتناول الشاي مع المساعد ، أو يتصفح الجرائد ويحلل ما يحدث في خياله ، لديه عمل آخر وهو إيصال رسائل "مساعد الوزير" التي  لا يمكن قول فحواها في الهاتف ، كل شيء يمشي بروتين محكم شيئا ما .

"علي" مراهق بدأ يثور على سلطة البيت ويخرق القوانين الصارمة في عدم التأخر أو المبيت مع الأصدقاء وبعد صراع طويل وحرب كلامية و تعنيفية  شرسة من الأب تمكن أخيرا من تطويعهم على قانون الدخول والخروج الغير مشروط في الوقت المريح بالنسبة له ، تعودت والدته وضع العشاء في الركن الجنوب الشرقي من المطبخ .
"كمبه" فتاة زنجية عشرينية تتمتع بجمال "البولار" الأصيل قادمة من الريف رفقة أمها السيدة المطيعة التي نزحت من قرية ريفية بعد غزو حمى الإيبولا الذي أودى بحياة الزوج وثلاثة أبناء وفقر مدقع أنتزعها من تلك الجذور التي مضى على تسلسلها مئات السنين في النجع المتواصل وتنمية المواشي ، النازحون من الريف دائما يبحثون عن الحياة في نواكشوط ، حين قدمت بتلك الفتاة الصغيرة كمبة كانت لا تعرف كيف تستمر في الحياة ومع الزمن وتراكم المغامرات اكتشفت موهبة الصباغة وصارت إحدى أهم صباغات الثياب بأنواعه في مقاطعة لكصر وتحولت موهبتها إلى دخل يكفي قوت العائلة ، لكنها في الفترة الأخيرة أصيبت بقصور في القلب ،
 فيما شقت "كمبة" طريقها واعتمدت على نفسها –كعادة "الهالوبولار" - هي الأخرى واختارت العمل كخادمة منزلية في بيت عائلة "علي" ، وهي متزوجة من شاب كادح يدعى "السالك".

السالك شاب خفيف السمرة يعمل سائقا لشاحنة كبيرة وقديمة لنقل شحنات الأدوية لـ - الشركة الموريتانية للأدوية - ، و أثناء عودته عصر الخميس تعطلت الشاحنة العملاقة ـــ على ظهر الطريق ، حاول رفقة مساعده اصلاحها دون جدوى وفي حدود السادسة وصله اتصال من كمبة ،،، قرر مباشرة أن يدع الشاحنة تحت حراسة مساعده على أمل العودة العاشرة ليلا رفقة ميكانيكي .

الغوث ولد السيد ، وزير الصحة الفاسد وهو أحد الشخصيات ذات النفوذ منقطع النظير، فهو يمسك الكثير من الخيوط في عدة مناطق حساسة من صنع القرار في الدولة و أختار ـ بنفسه ـ وزارة الصحة كي لا يتعرض للمشاكل الكبيرة كنوع من التقاعد المريح والقرب من إدارة تجارته الآمنة في الأدوية – المزورة أحيانا – فأكبر شركات استيراد الأدوية هي - في الظاهر ملك- لعامله عليها "ورجل الأعمال الخليل "  وتدعى – الشركة الموريتانية للأدوية- .
كان "الخليل" على الطرف الآخر في فندق "ميتروبول" بمدينة شانغهاي يهز رجله بفارغ الصبر يعد الرنات قبل أن يفتح أمامه الوزير الخط ، كان فحوى الاتصال حول محاولة اقناع الوزير بقبول صفقة لحمولة من المضادات الحيوية الرخيصة – المزورة- بحجة أن ربحها يصل 1500% وان تأثيراتها العكسية ـ حسب الخبيرــ محدودة الخطورة ولا تصيب في الغالب إلا مرضى قصور القلب ..... وتمت الصفقة .

صباح يوم الأربعاء كان أعمر "مساعد وزير الداخلية" يخرج كل هنيهة ليسأل عن حامد ، وحين تأكد أنه  لن يأتي اليوم بسبب وعكة صحية جعلته حبيس الفراش كان الوقت  قد وصل بعد الظهر، صادف عبد الرحيم عند خروجه النهائي من المكتب ليظهر ابتسامة من وجد حلا للغز ما ، هنا عرف عبد الرحيم أنها مهمة وفعلا كانت كذلك فقد ناوله ظرفا يحوي رسالة تسلم عاجلا الى وزير الصحة في مكتبه اليوم أو غدا صباحا .
كان "أعمر" وهو أحد رجال "الغوث" في وزارة الداخلية يملك قصرا في مدينة أنواذيبو وهو قصر بمقاييس لهو خاصة جدا ، حيث تعود "الغوث قضاء عطلة نهاية الأسبوع عنده في جو مليء بالقمار والنساء ، حيث يجتمع العشرات من نخبة النخبة من أجانب وموريتانيين في أجواء تشبه مدينة الملاهي الأمريكية "لاس فيغاس" ، لكن هذه المرة بالذات هناك تغيير طرأ حيث كلف "الرئيس" أعمر بسفر عاجل مساء الأربعاء إلى المغرب .
كانت الرسالة تحوي مكان مفتاح القصر ، وصل عبد الرحيم وزارة الصحة لكن الوزير لم يكن هناك مما دعاه للتفكير تلقائيا في الاحتمال الثاني وهو العودة باكرا وتسليم الرسالة .

على تمام السادسة والنصف من يوم الأربعاء تلقت "كمبة" اتصالا هاتفيا بينما كانت غارقة في تنظيف المطبخ تخبرها عن نقل أمها إلى الحالات المستعجلة بعد تراجع في الحالة الصحية العامة بسبب عقار مضاد حيوي مزور ــــ على مايبدو ــــ ، سقطت المكنسة من يدها وخرجت مهرولة فيما بقايا من الماء على الجانب الجنوبي الشرقي من المطبخ .

بعد منتصف الليل كان "علي" يتحسس الجانب المعتاد حيث يوضع له العشاء عادة فيما فوجئ بقطة تحاول الفرار ، ارعبه المشهد للدرجة التي فقد فيها التوازن فمر رجله على مكان زلق فسقط سقوطا حرا جعل ارتطامه بالبلاط قويا ، قفزت الوالدة مذعورة لتجد الولد مغشيا عليه والدماء تغطي مكانا معتبرا ، أطلقت صيحة الأم المفجوعة حتى التف حولها الجيران ومن بينهم "عبد الرحيم" الذي عاد مذعورا بسرعة إلى سيارته و اخذ العائلة بسرعة إلى المستشفى وبات الأرق رفيقه لليلة كاملة حتى أذن الفجر كان النوم يغزوه بدون موعد و لا رغبة منه فسقط على الكرسي .

في الساعة الواحدة زوال يوم الخميس كانت سيارة وزير الصحة ذات الدفع الرباعي على الكيلومتر 51 من نواكشوط متجهة إلى أنواذيبو رفقة تكييف وأنغام هادئة من مقطوعات كلاسيكية تصيبه بالنعاس عادة .
في الساعة الخامسة كان الغضب يتملكه ووعود العقاب تصارع فكره فقد وجد القصر مغلقا لأول مرة منذ بداية برنامج الترفيه الآمن هذا ، وفي أجواء الشحن والغضب أصدر أوامره للسائق بالعودة مباشرة الى نواكشوط.

في الساعة السادسة من مساء الخميس كانت كمبة في حالة اضطراب كامل حين فتح "السالك" الخط كانت منهارة بالبكاء والنحيب فأعز شخص في حياتها قد غادر قبل دقائق ، أكتفت فقط بكلمة "لقد ماتت !" وانقطع الخط ، توقف السالك مباشرة من محاولة اصلاح شاحنته وعلى عجل جعل قصة العطل عذرا ليصل نواكشوط بسرعة ليكون بجانب زوجته وليعرف أساسا ماذا يحدث !
التاسعة ليلا من يوم الخميس كانت سيارة الدفع الرباعي تسير بسرعة خيالية يوبخ الوزير سائقها على البطء فيما كانت أصوات الارتطام تصم الآذان ، توقف الزمن قليلا قبل أن يكتشف الوزير لحظته قد حانت ، سيارته ارتطمت بالشاحنة الواقفة على الطريق دون إشارة ضوئية في ظلام دامس كان الوزير يتحسس وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة قطعا من الأدوية التي تدخل في شحنات صفقته الأخيرة .

الكثير من وسائل الاعلام وضع عناوين من هذا القبيل "حادث مؤسف لوزير كبير" ، "موريتانيا تفقد ابنا بارا" ، "وزير الصحة إلى مثواه الأخير" .
شخصيا أختم هذا التحقيق بهذا العنوان " قطرة ماء على اسفلت مطبخ تقتل وزير الصحة" ، "دواء مزور يكون سببا في موت بائعه"

تحرير : "خ.س" ، من صحيفة "ت.ف"